الأحد، 2 فبراير 2014

فتح ملفات الصحوة (1-3)




       تناول مغردون سعوديون على التويتر هاشتاق ( فتح ملفات الصحوة ) وفيه بدت مختلف الآراء التي عبّرت عن حقبة زمنية عاشها السعوديون وبدأوا - فيما يشبه المراجعة الشاملة – في إعادة تقييم تلك التجربة بكل ما حملت . تراوحت تلك الآراء بين النقد العشوائي وتصفية الحسابات إلى التمجيد الكامل لتلك الحقبة , ووسط هذين الطرفين المتطرفين ضاعت الحقيقة المرجو بحثها وتقييمها بأبعادها الحقيقية في موازين الحقائق المنطقية .

       ولست هنا بصدد إعادة تقييم شامل لمنجز الصحوة فهذا عمل يحتاج إلى مشروع ضخم , وقد كتب عنه الكثير فيما كتب عن تلك الحقبة , إلا أنني في هذه الأسطر القليلة سأشير إلى عدة أمور مهمة , ومن وجهة نظر جيل فتح عينه على واقع تلك الحقبة , ثم سمع فيما بعد صوت ارتطام سقوطها الدراماتيكي .هي أمور يجب أن توضع في حسبان كل من يتطلع إلى رصد تلك الحقبة الزمنية ويحاول إيجاد تفسير لما آلت إليه بكل حمولتها .

      بداية .. لابد من معرفة أن الصحوة ما هي إلا ظرف ثقافي قام على أنقاض الظرف الثقافي القومي والعروبي , وحاجةٌ نفسية في عمق الوجدان العربي الذي خاض التجربة القومية بكل أبعادها على مدى عقود , ووجد نفسه مضطراً إلى التخلي عن تجربة أثبتت فشلها , فكان التوجه – لا إرادياً – إلى خوض التجربة الدينية كحالة ثقافية بديلة , وفيما يشبه الإحلال الثقافي المحض المشابه لظرف الإحلال الثقافي العروبي والقومي الذي نشأ هو الآخر على ظروف الحقبة الاستعمارية , جاءت الفورة الدينية لتأخذ مكانها في وجدان الإنسان العربي المثقل بجراحات التجربة السابقة , والمتطلع إلى قضاياه بإلحاح مقلق , والباحث عن الخلاص في أي شيء يعده بمستقبل أفضل .

      كان ذلك الظرف الديني عامّاً عند كل الطوائف , فقد شهدت الطائفة الشيعية في المملكة حراكاً (دينياً / صحوياً ) تمثل في صحوة دينية لا تقلّ شراسة عن التيار الصحوي السلفي التقليدي , فنشأ التيار الشيرازي الذي كان أقرب في صورته الحركية إلى تيار السرورية , وقد حملت التجربة الشيعية في مدينة القطيف السعودية حالات مشابهة للنمو الصحوي في بقية أرجاء المجتمع السعودي . وفي كتاب ( الحراك الشيعي في المملكة ) لكلّ من بدر الإبراهيم ومحمد الصادق , يذكر المؤلفان أن ( محتسبين ) من الطائفة الشيعية كانوا في المجتمع القطيفي في الثمانينات والتسعينات يجوبون الأسواق بحثاً عن أية مخالفات أخلاقية أو سلوكية , وكانوا يضبطون الشباب في حالات التحرش بالفتيات , ومراقبة من يقومون برفع أصوات الأغاني . بالإضافة إلى انتشار المحاضرات الدينية والمنشورات الوعظية التي تحمل المجتمع على التمسك بقيم التدين . كما انتشرت أيضاً المخيمات الصيفية التي تعدّ الشباب تربوياً ودينياً , تماماً كما كانت الصحوة السلفية تفعل في أنشطتها !!

     هذا غير حالات انتشار المظاهر الدينية حتى في المجتمعات العربية المنفتحة المجاورة , والتي تمثلت في مظاهر الحجاب واللحية وارتياد المساجد وكثافة الحضور للمحاضرات عند المحدّثين الدينيين , حيث اشتهر عبد الحميد كشك في مصر , وأحمد القطان في الكويت , ثم بدأ الإقبال على أشرطتهما لاحقاً في المجتمع السعودي قبل أن يتولى قيادة الخطاب الديني دعاة محلّيون أفرزتهم المرحلة ليتحولوا إلى رموز للصحوة بعد ذلك , وأعطوا لها نكهتها المحلية الخاصة .

    إذاً .. فهي حالة وجدانية عامة ,  وشعور جمعي عام , في كل المجتمع العربي تقريباً . شعور ولّدته التجربة القومية السابقة , كحالة لجوء وجدانية إلى منطقة الدين والتدين . وكما لكل شيء نهاية .. فقد حملت الصحوة الدينية معها بذور نهايتها تلقائياً , كأي ظرف ثقافي مصيره النهاية , وبشكل سُنَني خاضع لمنطق التداول التاريخي الثابت , يبدأ بالولادة فالنشأة ثم الزوال , إلا أن ما يهمّنا في هذه الأسطر معرفته هو ما هو البديل المفترض , أو الظرف الثقافي الذي سيتولى قيادة المرحلة ؟

      في المملكة – كمثال لتناول تلك الحالة الدينية – فإن كل الدلائل تشير إلى ولادة تيار جديد يتشكّل من كل الطوائف المذهبية تقريباً ومن كل مناطق المملكة , ويتطلع إلى واقع أكثر تحرراً من قيم الصحوة عبر مفرداته الجديدة التي يطرحها بشكل يومي كالحقوق والديمقراطية والحريات والتسامح ونبذ الطائفية . إنه تيار جديد هضم قيم المرحلة الدينية السابقة واستوعب تناقضاتها وبدأ يتحرك خارج مسارها ؛ ليتلمس طريقه إلى واقع جديد أكثر إلحاحاً وتطلعاً للمستقبل المقلق . التيار الجديد من كل الطوائف يشترك في رؤية واحدة تواقة للمستقبل , وغير مرتهنة للمنظومة الراديكالية لكنها لا تحاربها بشكل واضح .

     يتضح المثال الأكثر وضوحاً على الحالة الثقافية الجديدة التي تحلّ بالشباب العربي عموماً والسعودي خصوصاً , ما حصل في ليبيا في 2011 حين أقدمت مجموعات كبيرة من الشباب الليبي على حرق مقرات ( أنصار الشريعة ) في بنغازي . كانت تلك رسالة زمنية ضخمة لبقايا التيارات الدينية والجهادية بأن حقبتكم انتهت وحلّ مكانها حقبة جديدة لا تتقبل ما يخرج عن ذائقة الجيل الجديد المشبع بتطلعات الحياة المدنيّة وآفاقها الوثّابة للمستقبل .

      بالعودة إلى المملكة , نجد أن هذا الجيل الجديد يتماهى مع الواقع الأممي التنافسي , فيطرح رؤاه بدرجة من الواقعية والإدراك أكثر بكثير من رموز وقيادات التيارات السابقة التي بقيت تعيش إلى الآن بأجسادها دون أرواحها المحبوسة في مجال إدراك أبعاد تلك المراحل الزمنية التي أنتجتها .

     التيار الشبابي الجديد يأخذ مساراً وسطاً بين التدين الطبيعي وبين القيم الليبرالية في أبعادها الإنسانية والاجتماعية التي نقلت وسائل الاتصال الحديثة صورتها فجذبت هذا الجيل عن أي شعارات أخرى ملّت الأذن العربية من تردادها .


      في المقال القادم .. سنتعرف على بعض تلك الملفات التي يناقشها الجيل الجديد من السعوديين , ويصرّحون – أكثر من أي وقت مضى – بتطلعاتهم المناقضة لقيم حقبة الصحوة وأدبياتها , فيما يشبه الثورة الثقافية التي بات يصوغها الآن جيل جديد يتشكل خارج رحم المنظومة الدينية والاجتماعية التقليدية .

السبت، 25 يناير 2014

يحب ( الصالحين ) وليس منهم !



 في فيلم (السفارة في العمارة) لعادل إمام , كان هناك مشهد يلخص بمهارة حالة الوجدان العربي المنغمس في الشهوات , وفي ذات الوقت يهتم بقضايا الأمة الكبرى , تلك اللقطة التي تضطجع فيها العاهرة إلى جوار بطل الفلم (شريف خيري) المولع بالنساء , وحين تكتشف تلك العاهرة وجود السفارة الإسرائيلية إلى جوار مضجعهما , تصرخ بأعلى أصوات اللعن والاستنكار على هذا (المضاجِع) العميل الذي رضي بأن يسكن إلى جوار سفارة العدو !

      وتقريباً كل أحداث ذلك الفيلم تمظهرت في تمجيد تلك الروح (السكرى) بالاستنكار والشجب والإدانة , برغم الانغماس في الملذات , كحالة من حالات إثبات أن الروح الوطنية والقومية لا تزال مشتعلة عند كل إنسان مهما كان ( مدمّراً ) من الداخل . الأهم أنه ( يكره إسرائيل ) !

    لدينا في المملكة حالة مشابهة جداً لهذا الانحراف في الأولويات والقضايا . ففي ظرفنا الثقافي ( زمن الصحوة ) والذي جاء على أنقاض الظرف القومي والعروبي الذي انطلق منه كاتب فيلم السفارة في العمارة , سترى لدينا أنواع المزايدات الدينية حتى من أكثر فئات المجتمع انحطاطاً وشذوذاً !!

      سترى مثلاً شاذاً جنسياً يؤيد أعضاء هيئة الأمر بالمعروف ويلعن الليبراليين الذين – كما يصفهم – يريدون ( تغريب ) المجتمع عن دينه . ومواقع التواصل الاجتماعي تعجّ بهذه الأمثلة .. فستجد مثلاً حساباً لعاهرة تعلن عن رغبتها في إقامة العلاقات الجنسية بمقابل مادي , وفي ذات الوقت تغرّد بالآيات القرآنية والأحاديث ! في مشهد لا يمكن وصفه بغير الانفصام الحاد في أعماق الضمير , إلا أن هذا الانفصام أصبح طبيعياً ومستساغاً عند الكثيرين , كحالة من حالات إثبات اشتعال ( جذوة التدين ) برغم الانغماس في الملذات !

     تقريباً أستطيع القول إن أيديولوجية فيلم السفارة في العمارة تنطبق على حالة التدين السعودي المشغول بإعلان ( الإدانة والشجب والاستنكار ) والدخول في جمهرة النغمة العامة , مع بعض المزايدات الوعظية , إلا أن المحتويين يختلفان بحسب الظرف الثقافي لكل مرحلة , بين مرحلة القومية والعروبية التي أنتجت نص فيلم السفارة في العمارة , وبين مرحلة زمن الصحوة التي أنتجت تلك الأمثلة النفاقية في المجتمع السعودي . إلا أن التشابه الحادّ يكمن في أن السياقين يعززان إشغال الفرد بـ ( إراحة الضمير ) المذوّب تلقائياً في ضمير المجتمع على حساب بناء الذات وتنشئة السجايا الإنسانية الصحيحة كأولويات منطقية يجب على الفرد الاهتمام بها قبل أن يهتم بقضايا أكبر منه .

      هكذا سارت رحلة التزييف في وعي الإنسان العربي , وجعلته في حالة تغييب دائم عن ذاته وعن كينونته , بل لقد تحولت العملية برمّتها إلى نوع من التبرير اللازم للفرد جرّاء ما يقترفه من آثام , بحيث يكون مرتاحاً أغلب الوقت لما يقوم به , ما دام أنه داخل ضمن تركيبة الظاهرة الصوتية المرتفعة , ولم يقم بشق عصا الطاعة , ولا يهم بعد ذلك – في تصوره – كل ما يقوم به , فكما صوّر الفيلم الإشادة بعاهرة تكره إسرائيل , ستظهر عاهرة أخرى في بلد مجاور تدينها الظاهر وكرهها للتغريب والاختلاط وقيادة المرأة للسيارة !

     صورة أخرى تتجلى في تفسير حالة ( النفاق ) المريع التي تتلبس الكثيرين , فطالما أنه يحب ( الصالحين ) ويكره ( الليبراليين ) , فإنه لا يزال يحمل ( بذرة الخير ) كما يقال , حتى وإن كان شاذاً جنسياً أو امرأة ساقطة ! وهكذا ترتسم الصورة في أذهان الكثيرين عن نمطية الحياة بحيث ينشغل الفرد في ملذاته , ثم يجد العذر لما يقترفه بكونه لا يزال ضمن تلك المنظومة , وفي النهاية : (  الله غفور رحيم ) . ثم لا يمنع بعد ذلك من أن يسافر إلى الخارج بحثاً عن الملذات في وقتٍ يحارب فيه كل ما زُرع في ذهنه أنه من ( مظاهر التغريب ) في الداخل . وهذه الحالة لا يفسرها سوى أن هذا الجنوح – غير المنطقي – في نظر العقلاء , إنما هو نوع من التبرير الذاتي والمريح  لحالة الدمار النفسي التي يعيشها ذلك الفرد .

     هذه الحالة النفاقية الفظيعة لا يمكن اعتبارها حالات فردية بسيطة . بل يمكن القول إنها ظاهرة اجتماعية بالغة الخطورة في كواليس  مجتمعنا . فمن يشاهد بعض الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي ويرى عدد المتابعين الذي يصل في بعضها إلى مئة ألف أو يزيدون , ويرى عددها الذي لا يحصى , وكل واحد منها يحمل عدد متابعين ضخم جداً , سوف يصدم من كمية الارتهان الجمعي لتلك الحالة من الانغماس في الوحل , في ذات الوقت الذي ستشاهد فيه أن هؤلاء أنفسهم في مواضع حوارية على تلك المواقع يؤيدون منظومة التشدد الديني ويدعمون أيقوناته الميدانية كهيئة الأمر بالمعروف ويدينون أي عملية تحول إصلاحية يرون فيها مظاهر تغريب اجتماعي .

     فهي ظاهرة عامة سببها التزييف الفظيع في الوعي نتيجة الوعظ العشوائي الذي ظلّ زمناً يتخذ صفة الحشد والتعبئة دون تقديم أي برامج موازية في تعزيز الدوافع الذاتية وتحفيز الذات على تقديم شيء إيجابي مفيد . تلك الفوضوية الوعظية مسؤولة بشكل مباشر عن هذا الفشل في النهوض بالناشئة , ومسؤولة أيضاً عن حالة تغييب الذات عن المبادرة الحرّة المستقلة المعتدّة بإمكاناتها الكامنة , بسبب الطريقة التربوية التي زرعت في الأذهان أن الفرد هو مجرد (استجابة) لظروف محيطة , وبالتالي فهو معرّض لتلك الظروف , دون التركيز على عملية تعزيز ذلك الفرد بقيم الإبداع والإيجابية وبث روح المبادرة ؛ ليقدم شيئاً يلهيه تلقائياً عن تلك الاستجابة التي يُخشى منها . فنشأت أجيال ضعيفة نفسياً , ومهزوزة , وغير واثقة , وغير قادرة على الإبداع والسمو والإنتاج والبناء والمنافسة الأممية المحمومة .

     ومن هنا نشأت تلك السلوكيات التي تجنح للنفاق الاجتماعي للاحتماء بالظاهرة الصوتية كغطاء للملذات الخاصة .

الجمعة، 10 يناير 2014

لماذا ننقد الهيئة ؟


مدخل :
   تكتب كلمة ( هيأة ) بهذا الشكل قياساً على القاعدة , وليس كالكتابة الدارجة ( هيئة ) التي تعتبر من الأخطاء الشائعة . ومع ذلك فسوف نستعمل تلك الكتابة الدارجة ( هيئة ) , ولن نتعصب للقاعدة الإملائية ؛ مخافة اللبس الذي يمكن أن يحصل . ونظراً للشيوع والانتشار , فسوف نتماشى مع هذا الدارج ؛ نزولاً عند الواقع ؛ لأن الهدف هو الوصول إلى ( الفكرة ) مباشرة , وليس الانشغال والإشغال بتمرير درس لغوي !

لماذا الهيئة ؟
-        لماذا يتم تناول هيئة الأمر بالمعروف دائماً بالنقد والتقييم ؟
-     ولماذا الهيئة بالذات – من بين بقية الأجهزة الحكومية - يتم التركيز على أخطائها ؟
-        ولماذا أصبحت الهيئة بين المؤيدين والمعارضين أيقونة مضخمة في التفريق بين المتدين وغيره ؟
-        ولماذا قسّمت الهيئة المجتمع السعودي إلى فسطاطين أكثر وضوحاً وأعلى صوتاً : مؤيد بالمطلق رغم الأخطاء , وكاره بالمطلق رغم الإيجابيات ؟


    بالمختصر , لماذا الهيئة بالذات أصبحت جدلاً اجتماعياً وثقافياً وتحاك حولها هالة من التداعيات الدينية والفكرية , وربما – في نظر أتباعها ومؤيديها – المؤامرات , كما يتصورون . برغم أنها مجرد جهاز حكومي يعمل في سياق المنظومة البيروقراطية الحكومية ؟


    إنه سؤال بات من الجدير طرحه وقراءته وفق منطق التغيير العنيف الذي يتعرض له وعينا الاجتماعي والثقافي . وبات علينا الإجابة عن كل نقاط الإثارة وبحثها وكشف جذور مشكلاتنا الأولية لمحاولة الوصول إلى حقيقة نستفيد من دروسها جيداً ونبني – مستقبلاً – واقعاً أكثر تماشياً مع الظرف الزمني الملحّ , وأقل وقوعاً في الأخطاء المنطقية , وأقل خسائر أيضا .


    هيئة الأمر بالمعروف ليست كبقية الأجهزة الحكومية الأخرى ! إنها تأخذ مزية خاصة بكونها تطبق مبدأ ( الحسبة ) وفق التفسير السلفي لمفاهيم الاحتساب , وبالتالي فهي تتلقى دعماً إلهياً خاصاً كونها أصبحت تمثل سُلطة ( الله ) التنفيذية على الأرض , وهذا الأمر يعطيها مزية خاصة داخل العقل السلفي الذي يقدم هو الآخر تعريفاته وأحكامه المسبقة في توضيح المعروف والمنكر كما جاءت في المدوّنة السلفية التي تراكمت عبر الزمن , ثم امتزجت  لاحقاً ببعض التصورات البيئية الخاصة التي تعتبر حاضنة تأثير مهمّة على الذين صاغوا تلك المدوّنة ورسموا معالمها . وبالتالي فإن الهيئة قد تحولت إلى جهاز ( إلهي ) وليس مجرد جهاز حكومي , فالناقد لهذا الجهاز – وفق البرمجة الثقافية  – سيرى أنه ينتقد أحكاماً إلهية , والمؤيد لهذا الجهاز قد يرى نفسه أنه يدافع عن ( الله ) في أرضه , وفق تلك البرمجة نفسها .


     هكذا تحول الوعي بالهيئة , حين تم جرّ القيم والمبادئ المذهبية وإقحامها في مفهوم الاحتساب , وتحميل الدين الإسلامي حُمولة تلك الآراء والاجتهادات التي تحولت إلى مادة عمل لهذا الجهاز وصاغت المبرر لوجوده . وبدون تلك الآراء المذهبية الخاصة لن يكون لهذا الجهاز أي مبرر للوجود . فدوره الأمني والأخلاقي بإمكان الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى القيام به على أتم وجه . لكن وجود هذا الجهاز  ودوره المذهبي على الفضاء الاجتماعي هو نوع من المحاصصة وتقاسم النفوذ , لتظل المنظومة الوهابية – الشريك الشرعي في الحكم -  بعيدة عن التعاطي مع شؤون السياسة .


     المهم في الموضوع هو أنه حينما يتعاطى الناس مع أخطاء الهيئة / الجناح التنفيذي للقيم السلفية , فإن ذلك نابع من شعور جمعي باختطاف السماحة الدينية للإسلام وإلباس تلك الأخطاء الميدانية اللبوس الديني , وإرهاق الدين بتلك الاجتهادات المذهبية . وفي نفس اللحظة , يشعر مؤيدو هذا الجهاز أن الحديث عن أي ( خطأ ) هو تمرد على ( الإسلام ) , وأن هذا النقد الموجه مهما كان موضوعياً يخفي حالة من الكراهة المبطنة للدين بأكمله , ودعوة إلى ما يسمى بالتغريب والعلمنة , في حين أن بعض ذلك ( التغريب ) الموصوف ما هو إلا خروج عن القيم السلفية الخاصة إلى قيم إسلامية أكثر اتساعاً ومرونة , كالحديث عن شكل حجاب المرأة , وسماع الموسيقى , وكذلك إغلاق المحلات التجارية والصيدليات والمحطات على طرق السفر وقت الأذان وتعطيل مصالح العباد والمرضى والمسافرين . فهذه الأشياء لا ترقى إلى أن تصبح أيقونات ( تغريبية ) تفصل المجتمع عن دينه وقيمه وهويته عند الحديث عنها . إلا إذا كانت تلك القيم  المقصودة – وهذه هي الحقيقة – مجرد قيم مذهبية , وتصورات بيئية معينة يراد تعميمها على بقية أرجاء الوطن , وإجبار مختلف الشرائح الاجتماعية على القبول بها , وفي واقع زمني مختلف تماماً قد  فرض ظروف التغيير العنيف حتى على أبناء البيئات المنتجة لتلك القيم في السابق . وليس أدلّ من قضية عمل المرأة وما أحدثته من انفصام عنيف داخل نفسيات الكثيرين , بين واقع اقتصادي جديد ومرهق , وبين محددات تربوية مسبقة , أفرز كل ذلك حالة من التخبط  في توزيع الخيارات عند الفرد والمجتمع على السواء .


      لهذا السبب , فحين تكون الهيئة جهازاً يسلط عليه الضوء , فهذا نابع من كونه يتحدث باسم الدين , أو هكذا يقدم نفسه . وكون أن هذا الدين هو مشترك جمعي بين كل مكونات المجتمع , فمن المنطقي أن يتشارك الجميع في نقد من يتحدثون باسمهم . وليس لمؤيدي الهيئة بأخطائها أن يتبرّموا من النقد الموجه ؛ كون أن معهم آخرين يتشاركون في هذه (المرجعية) التي تضم الجميع والتي تتحدث الهيئة وتعمل باسمها . ومن هذا المنطلق أيضاً دخلت الهيئة إلى دائرة الضوء الإعلامي , وأصبح الجميع يناقش من مبدأ مناقشة الهوية , وهذا حق من حقوق الأمة , فلماذا تغضب منظومة الهيئة ومؤيدوها ؟


      وهذا الذي يفسر عدم التركيز على بقية الأجهزة الخدمية ولا حتى الأمنية الأخرى .. فلم يرفع أي جهاز حكومي شعاراً ثقيلاً كالإسلام والفضيلة سوى جهاز الهيئة , وعليه أن يتحمل كل هذه الحمولة الاسمية بتحمل تبعات المواجهة النقدية والإعلامية التي يهمها كثيراً هذا الاسم الذي يشترك فيه الجميع . ولن أبالغ إذا قلت إن أكثر هذا النقد الموجه لأداء هيئة الأمر بالمعروف هو غيرة وحرقة دينية تنطلق من مجموعات ثقافية أو شبابية تتفوق كثيراً في مستوى الإدراك المعرفي والديني على الكثير من أعضاء ومؤيدي جهاز الهيئة !


      أعتقد أنه بات من الضروري تسمية الأشياء بأسمائها , وبالتالي فإن أي حديث عن دور الهيئة يجب أن ينعكس في الوجدان الجمعي أنه دور مذهبي وليس دينياً , وأن هذا الدور يمكن نقده ومناقشته في إطار النقد الذاتي الحر والبعيد عن الإملاءات الخارجية , لأننا لو لم نقم بذلك , فالنتيجة ستنعكس سلباً ليس فقط على تسويق هذا الدين عالمياً – وهذا ما نراه في تسمية الغرب لهذا الجهاز بالشرطة الدينية , والسلبية الفاضحة التي ظهر بها – وإنما ستكون النتائج داخلياً بخروج جيل جديد من الملحدين ممن يرون هذه النسخة فقط من الدين , والذين بالطبع سوف يتعرضون – في زمن التواصل وكسر الحواجز - إلى الاعتقاد بأن هذا الدين المبرمج لا يمكن أن يكون صالحاً للعيش به في عالم متغير ومتسارع , ووصل إلى ما وصل إليه في مفاهيم النهضة والتنمية وحقوق الإنسان في الشرق والغرب.



      إنها دعوة حرّة من أعماق الضمير الموجوع بواقع الحالة : أن نباشر التصحيح الذاتي الحرّ لمنظومة أنتجت وسوف تنتج , بنمطية تعاطيها مع الواقع , المزيد من الانحراف السلوكي والفكري , بقصد أو بدون قصد . على أن يشترك الجميع في هذا التصحيح , فمن رسم سياسة ومجال عمل منظومة الهيئة منذ البداية ليس متوقعاً منه أن يغير كثيرا في استراتيجية عملها . فيجب أن يدخل المثقفون على الخط , وكذلك المختلفون من مذاهب أخرى , من أجل إنتاج تصحيح وطني حرّ يؤسس ويبني لمستقبل أفضل !

السبت، 4 يناير 2014

وزارة التعليم تحتاج إلى أكثر من وزير !!



إن التعليم اليوم أصبح له جذوره المجتمعية التي تتحكم بها جملة من المؤثرات في الإعلام والمساجد ومنابر الخطب وفعاليات الحياة العامة , ولم يعد شأناً أكاديمياً منغلقاً ومنعزلاً عن مؤثرات الواقع .

إن إزالة ركام من تغلغل منظومة التشدد والإقصاء ورفض الآخرين وتزكية الذات في مخرجات سيئة للغاية هو أمر في غاية الصعوبة . وقد استمر بعضهم في التشاؤم حتى بعد تعيين الأمير خالد الفيصل بقولهم إنه لن ينجح لأن الوضع أصعب من أن يعالج ,والدليل فشل ثلاثة وزراء قبله في عمل أي شيء !

والحقيقة إن الوضع مختلف نوعاً ما مع خالد الفيصل , فالوزراء الثلاثة السابقون جاؤوا من خلفيات أكاديمية أو عسكرية , بمعنى أنهم غير مدربين ( سياسياً ) إلا أن الوضع يختلف مع خالد الفيصل الذي أمضى أكثر من أربعين عاماً في الإدارة السياسية التي كان لها مخرجات فكرية ناجحة على الصعيد الثقافي , خبر فيها منظومة التشدد وعايشها واقعاً وإدارةً وتعامل مع تداعياتها .

لهذا فخالد الفيصل يختلف كونه جاء من تلك الخلفية التي تعرف خبايا التعمق التنظيمي الحركي وسبق له التعامل معها . إلا أنه يحتاج – وبكل صراحة – إلى وزراء معاونين وليس فقط موظفين مخلصين , يحتاج إلى وزراء : الإعلام , والشؤون الإسلامية , والتعليم العالي ,وأكثر . يحتاج إلى كل هؤلاء بما يشرفون عليه من قنوات ( تمرير ) تباشر وعي المجتمع وتخلق ثقافته !

لا يزال مشروع الملك عبدالله للإصلاح يسير ببطء وحذر , وهذا مفهوم في الواقع السوسيولوجي للحالة السعودية , إلا أن المؤسف هو أن العملية الإصلاحية تسير بنوع من الإعاقة وتتلقى أحيانا الكثير من الصفعات التي تردّها في بعض الأحيان إلى المربع الأول . وهذا يجب أن ينتهي , من أجل تحقيق مخرجات أفضل .


من المتعارف عليه أن عملية الترميم أكثر صعوبة من عملية البناء نفسها , فعملية البناء سهلة كونها تتحرك بشكل حر من الصفر . أما الترميم فهو إجراء تعديلات محكومة بمعطيات الواقع وقوانينه . ونفس الكلام ينطبق على أي عملية ترميم ( سياسية , اقتصادية , ثقافية , تربوية ) .

الجمعة، 27 ديسمبر 2013

بكاء بـطرق الجبل



تعالي لنقنتَ هذا المساء ..
تعالي نهادنُ لفح العواصف يوما ..
قليلاً .. قليلاً ..
ونخلع عنّا رِداءاتِنا ..
ونسندُ أرواحنا للسذاجة ِ ..
ثم نغازلُ وجهَ السماء .. !!

***
ستخدعنا سكرةُ الشعر حتى الخَبلْ ..
ونولج في لذة الوصل ..
حتى الثمالةْ ..
فهاتِ النشيد .. هات النشيد
وزفّي إلى أذُن الفجر طرقَ الجبلْ..

***

وخيطي لي الطلحَ والسدرَ والمسحباني
ورائحةَ الأرض
وقت الصباح المعطّر
بالبنّ والهيل والزنجبيل
وخبز الدخن ..
وصبي على مسمعي من حكايا العناء ..
حكايا ..
عن الزرع والحصد والأولين ..
حكايا أناس
لكم صافحوا لطمات الشقاء ..
لكم صافحوا لطمات الشقاء ..
فنالوا بها الخبز , والتمر , والكبرياء .. !!

***

أعيدي من الأفق روح الفتى ..
ثمّ أسري بها , واعرجي
نحو تلك الجبال ..
وهزّي إليك بجذع الهوى ..
وانثري .. من بقايا البقايا ..
على ( خُتَنٍ ) في ( شِيال ) الصبايا ..
وشعرٍ يدغدغ سحر القرى ..!!


( الخُتن ) : جمع ( خُتنة ) وهي حزمة الريحان والكادي تضعه النساء وكذلك الرجال على رؤوسهم .

( شِيال ) : جمع ( شيلة ) وتعني الطرحة !

الاثنين، 23 ديسمبر 2013

بين جهيمان والصحوة .. نقد التناول التنويري


ربما من المؤسف أن تكون بيئة فكرية كالتي في المملكة , كثيفة التحولات والجدل دون أن يكون هناك جهد تدويني وطني يليق بهذه الحالة الضخمة والتي تتغذى يومياً بالجدل والاستقطابات منذ عقود !

إن جزءاً من الضعف التدويني في حالتنا السعودية يعود بلا شك إلى سياسة التعتيم الإعلامي الذي يكتنف أحداثنا ومجرياتنا الكبرى , كأحداث الحرم مثلاً في عام 1400هـ لو أخذناها كمثال . إلا أنه برمي المسؤولية دائماً على المنظومة الرقابية فإن ذلك من شأنه إخراج المهتمين المعنيين بطريقة فيها تزييف كبير للوعي والمسؤوليات , فالمثقف عليه مسؤولية كبيرة في ذلك التدوين . إلا أن المشكلة الكبرى , والتي اكتشفتها مؤخراً , ليست فقط في إحجام المعنيين والباحثين عن تدوين تلك الأحداث وتناولها , وإنما هناك أزمة حقيقية في فهمها أولاً , وفهم ظروفها وتداعياتها وحيثياتها التفصيلية التي تفسر الكثير من ظروف أدائها !

حين نأتي إلى مثال حادثة الحرم , نرى الكثير من دعاة التنوير والإصلاح الفكري يربطون بشكل متعسف بين حادثة الحرم وبين الصحوة , وأن للاثنتين علاقة عضوية ببعضهما أو أن إحداهما نتيجة للأخرى . وهذا منافٍ للحقيقة التاريخية!

لم تكن مجموعة جهيمان العتيبي التي اقتحمت الحرم مطلع القرن الخامس عشر الهجري إلا نتاجاً للجماعة السلفية المحتسبة التي نشأت في المدينة بهدف العودة إلى السلفية ( الصافية )  من وجهة نظرهم , وكانت تستهدف الحد من الانتشار الذي تحقق لتيار الصحوة الذي بدأ في النشاط من منتصف الستينيات والذي يعتبر تمثيلاً لوجود الإخوان المسلمين ولاحقاً السرورين , الجماعتين الأنشط دينياً في المملكة والتي انبثقت إحداهما عن الأخرى كما هو معروف . فكان تركيز الجماعة السلفية المحتسبة – في الأساس – النيل من رمزية شيوخ الصحوة عبر تأكيدها على ضعفهم الشرعي وانحراف مشروعهم عن الاشتغال بالعقيدة إلى السياسة . مستشهدين بمقولة شهيرة للشيخ الألباني والذي يعتبر الأب الروحي للجماعة : من السياسة ترك السياسة !

حصلت بعض الأحداث غير المهمة في موضوعنا هذا , إلا أنه وبعد عدة انشقاقات في صفوف الجماعة السلفية المحتسبة, برز تيار أكثر عنفاً بقيادة جهيمان العتيبي الذي كان يمتلك كاريزما استطاعت جذب العشرات من الرفاق داخل الجماعة . ثم بعد انقطاع مجموعة جهيمان عن بقية الجماعة وهيامهم في الصحارى استعداداً لعمليتهم الموعودة , حصل بعض التشظي في الجماعة , إلا أنها بقيت كأفراد محافظين على البنية الأيديولوجية تجاه الموقف الثابت من تيار الصحوة ورموزها . بعض تلك المجموعات ستتحول فيما بعد إلى تيار مناقض تماماً لمجموعة جهيمان , وهو التيار الذي عرف بعد ذلك بالجامية !!

حصلت حادثة الحرم وانتهت , إلا أن ما بدأ للتوّ هو أنه خلا الجوّ لتيار الصحوة , وربما حصل أن لجأ السياسي إليها كونها أقدر على ضبط الكوادر الشبابية المنتمية إليها . إلا أنه وبعد زوال سنوات العسل بين الصحوة والسياسي , وخصوصا مع أحداث حرب الخليج , برزت فجأة الجماعة السلفية المحتسبة ولكن في ثوب جديد سمي آنذاك بالجامية أو المداخلة .

لم يكن يتأتى للتيار الجامي أن يتشكل لولا تلك البنية الموجودة والمتمثلة في بقايا عناصر وأدبيات الجماعة السلفية المحتسبة التي هي بدورها كانت ردّة فعل للوجود الحركي الإسلامي المتمثل في تيار الصحوة . ورغم أنها مفارقة عجيبة أن تنشطر الجماعة السلفية إلى شطرين متباينين بدرجة صارخة ( مجموعة جهيمان , وتيار الجامية ) إلا أن الأكثر عجباً هو الكثير من المداولات الفكرية التي لا تفرق –تاريخيا- بين مكونات الطيف الديني في السعودية وترى أنه كتلة واحدة , بينما الواقع الذي يحدث فعليا في أعماق تلك المنظومة الدينية يشي بالاختلافات العميقة والجوهرية التي من المهم فهمها أثناء تناول الواقع الديني والفكري في الحالة السعودية . فالدلالات المتعددة لكل من ( الوهابية , والصحوة , والسلفية ) ينبغي أن تؤخذ كل واحدة منها في مجالها الأيديولوجي المعتبر والمنفصل تماما عن الأخرى , بمعنى أنه من المستحيل أن يتم الجمع بين الوهابية مثلاً والصحوة في سياق واحد بينما كل واحدة لها مجال أيديولوجي تتبعه وتهتم به , وربما حصل بعض التصادم غير المعلن , برغم الحاضنة المرجعية ( السلفية ) لكل من المكونين السابقين !

وإذا كان علينا القول إننا نعيش حقاً في ظل تحولات عميقة في المشهد السعودي , فمن الجدير بالقول إنه علينا فهم ظروفنا التاريخية بشكل أكثر عمقاً وتحريّاً للدقة التاريخية والواقعية من أجل الوصول لحقيقة بنيوية يمكن أن تؤصل منطقها الداعم لفهم واقع التحول الذي يجري بعنف .

المراجع :
-       زمن الصحوة , ستيفان لاكروا
-       حتى لا يعود جهيمان , توماس هيغهامر
-        مقابلة مع ناصر الحزيمي على اليوتيوب , أحد رفاق جهيمان .


السبت، 14 ديسمبر 2013

الفدرالية الإدارية / المدن الصناعية نموذجاً ..



من واقع معايشتي بحكم العمل لمدينة كـينبع الصناعية أجدها كمثال لتجربة المدن الصناعية في بلادنا مثالاً ناجحاً على الأصعدة التنموية والإدارية بواسطة سرّ يميز نجاح تلك التجربة وهو ( الفدرالية الإدارية ) النوعية التي تحكم مفاهيم الإدارة ذات الطابع المستقل بشكل كامل عن باقي وزارات الدولة .

في مدينة ينبع الصناعية نجد أن مستوى النظافة , والبنية التحتية , , والتعليم , والصحة , وكذلك مستوى الرقابة الفاعلة على المحلات التجارية والمطاعم وحوانيت الحلاقة ,وأيضا مستوى الجودة في الطرق , والتشجير , وكافة الفعاليات الترفيهية والأسرية والثقافية , كل ذلك يأتي بشكل أكثر إبهاراً وإتقاناً وجودة في أدائه من بقية الأداء الإداري ذاته في كافة تلك المجالات في بقية المحافظات والمدن ومنها المدن الكبرى أيضاً .

تلك الاستقلالية عن النسق البيروقراطي الحكومي التقليدي أعطى كل ذلك النجاح والتميز في إدارة مستوى الخدمات في تلك المدينة وكذلك أختها الجبيل الصناعية , في حين أننا نجد أن مدننا الكبرى تفتقد إلى ذلك المستوى من الجودة الإدارية بسبب عوامل بيروقراطية تضع الأداء الإداري في صورة كسيحة بسبب تلك المنظومة التقليدية الحكومية التي لا أفهم إلى الآن لماذا الإصرار على إبقائها مرجعية في زمن كثيف التحولات والتوسع العمراني والبشري !!

صورة أخرى من الأداء الإداري في المدن الصناعية ساهم في إنجاح المستوى الخدمي المقدم , وهو صغر المساحة الإدارية المستهدفة , في حين أن الطاقة الإدارية التي تقود تلك الخدمات متلائمة بشكل مناسب مع تلك المساحة , وهذا عنصر مهم للنجاح , قد وجدته في بعض المحافظات الصغيرة التي رأيت فيها نجاحاً نوعياً لا بأس به في الضبط الصحي والخدمي والتعليمي بسبب صغر تلك المحافظات وتركيز الطاقة الإدارية على تلك المساحة المحصورة , بينما في المدن الكبرى المترامية نجد التشتت في الطاقة الضبطية والإدارية والخدمية  . لكن ذلك النجاح النوعي للطاقة الضبطية الإدارية لتلك المحافظات الصغيرة يعود إلى فعالية تلك الإدارات المتفاوتة أداءً في كل محافظة , وليس إلى ذات النظام المحرّك , والذي لا يزال يعاني من الثغرات الكثيرة التي من أهمها بطء الفعالية الإدارية في التجاوب مع الحالة أو المشكلة الخدمية القائمة .

إن تلك الاستقلالية في طريقة إدارة المدن الصناعية وفي كافة مجالاتها الخدمية والصحية والتعليمية والإدارية قد أنتجت لنا مدناً صحية وناجحة ومثالية للحياة كالجبيل وينبع وأخرى يبشر بها المستقبل المنظور إن هي اعتمدت على ذات المبدأ ( الفيدرالي الإداري ) المستقل بشكل عام عن المنظومة الحكومية التي يبدو أنها لا تستطيع الفكاك عن البيروقراطية وعاجزة عن خوض أي خطوة تصحيحية لمواكبة زمن متغير !!

ولهذا , فربما يجدر التفكير في قضية أخرى – كسباً للوقت – بحيث لا تضيع الجهود في بناء نظام آخر على أنقاض النظام البيروقراطي الحكومي الحالي , والذي – كالعادة – سيأتي خديجاً ومشوهاً وربما يضر أكثر مما ينفع . فأقول : لم لا نجرب استنساخ تجربة ( الفدرلة ) الإدارية بحيث تستقل إدارة المحافظات والمدن في مجالاتها الخدمية المتنوعة عن المركز / العاصمة / الوزارة / المرجعية الإدارية ؛ وذلك من أجل تحريك التعثر الحاصل في المشاريع الخدمية والتنموية العالقة !!

لا تحتاج المسألة إلى ما يشبه المعجزة لتحقيق ذلك , فنظام الفدرلة موجود بشكل عريق في كل دول العالم , وبدون الحاجة إلى إثارة افتراضات الفوبيا الانفصالية وأمراض الخوف من شيء لا وجود له في وجدان أي إنسان ينتمي لهذا الكيان لا همّ له سوى مستوى مقبول ومُرضٍ من الخدمات يليق بمستوى بلد يعيش فيه وينتمي إليه .

إن من شأن تلك الفدرلة الإدارية أن تحل الكثير من الإشكالات بشرط وضع إجراءات مسبقة , وذلك بغربلة الأنظمة واللوائح التي من شأنها أن تتيح سوء الاستغلال للموقع الوظيفي , فالنجاح الإداري والخدمي الذي تحقق في مدينتي ينبع والجبيل الصناعيتين لم يكن لولا وجود أنظمة أُحسن بناؤها منذ البداية لتكون فاعلة في تحصين الأداء الإداري من كل ما يمكن أن يتيح مجالاً لسوء الاستغلال الوظيفي , وكذلك النظام نفسه في هاتين المدينتين بخصائصه المميزة يعمل على تربية موظفيه على الجدية والإتقان والإبداع , وليس كالنظام البيروقراطي الحكومي الذي يساوي بين الموظف المثابر وغير المثابر عبر العلاوة السنوية الثابتة للجميع كحق مكتسب تم تعزيزه كمفهوم في وعي الموظف الحكومي التقليدي , بينما لا نجد هذا المعيار عند موظفي الإدارات في المدن الصناعية الأقرب نظامهم إلى نظام الشركات التي تُخضع علاوات موظفيها السنوية لمعايير الجودة والخلق والإبداع وبشروط صارمة وأحياناً قاسية . وحتى في التعليم الذي ينفصل إدارياً ومالياً عن وزارة التربية والتعليم خاضع هو الآخر لذات النظام الذي يضع معايير التميز والإبداع كشرط لنوع العلاوة السنوية ومستواها للمعلمين العاملين في الحقل التعليمي في هاتين المدينتين !!


أعتقد أنه حلّ وقتي فاعل , قبل التفكير في بناء أنظمة حديثة قد تستغرق وقتاً طويلاً يكون به التأخر أكثر وأكثر في المسيرة التنموية في مدننا , خصوصاً وأن الوقت لا يسمح بالمزيد من التأخر , فالتنافس الأممي في أوج شراسته للحاق بالركب العالمي , ولا يجدر أبداً بدولة تنتمي لمجموعة دول العشرين أن تقعد أكثر وأكثر عن الفعالية النهضوية من أجل أنظمة ثبت عقمها الإداري وباتت الحاجة إلى استبدالها أكثر إلحاحاً . ومن المهم أيضا التأكيد على أن مبدأ الفدرلة الإدارية لا تعني بالضرورة ذات الفدرلة في القوانين والأحكام التشريعية العامة في كل مدينة . فالأمر مقتصر عندي على انتشال الواقع الإداري من أزمته عبر تلك الفدرلة (الإدارية ) تحديداً وليس تعميق الفجوة الثقافية والاجتماعية بين كل مدينة أو منطقة وأخرى !