الجمعة، 31 مايو 2013

ثقافة المعايير خطوة لفهم معايير الثقافة



 

يكثر حديث الناس أحياناً عن المقارنات الأخلاقية بين زمنين متناقضين , بعضهم بلغة التحسّر وإظهار الخسارة القيمية في منظومة الأخلاق , وبعضهم بلغة المدح لمخرجات تلك الأخلاق الجديدة ولهجة الانتصار لقيم حديثة على أخرى قديمة . بل وفي مختلف السياقات المتناقضة , مثل سياق اقتحام أخلاقيات وأفكار فترة الصحوة وقيمها , وكذلك سياق أخلاقيات وأفكار ورؤى ما بعد مرحلة أحداث سبتمبر وما حصل من انقلاب فكري تسبب في زلزلة قيم وأفكار عقدين من الزمن !!

 

كل تلك التحركات الفكرية يحكمها قانون اجتماعي وتاريخي واحد وهو  : حتمية حركة الانزياح الثقافي والفكري نحو متغيرات جديدة بحلول جيل جديد أو مرحلة جديدة أو متغير سياسي أو اجتماعي أو ديني مرحلي كبير !

 

ما أنا بصدده هو أنه من الواجب عدم تقييم أفكار أو رؤى أو تصورات أي مرحلة زمنية من خلال معايير الأفكار والرؤى والتصورات في مرحلة زمنية أخرى , بمعنى أنه من الخطأ أن يأتي أحدهم ويقدم رؤية نقدية على مرحلة سابقة من الزمن منطلقاً من محدداته المكتسبة في مرحلته الزمنية التي يعيشها !

 

وعليه .. فلا يجوز أن يأتي أحدهم ويقول : إن الصحوة مثلاً قد ساهمت في زيادة الأخلاق عند الناس لأنها جاءت بأفكار تمنع من اختلاط الجنسين في أماكن العمل كالمزارع والمراعي والأسواق , وبالتالي فقد ساهمت في حماية الفضيلة وحققت ( صحوة ) دينية وأخلاقية في قلوب الناس !

 

في العادة تنطلق مثل هذه التصورات النقدية لفترة زمنية سابقة متجردة من الفهم التاريخي لظروف تلك الفترة التي تتناولها , وتداعياتها , وثقافتها الخاصة التي كانت تحكم تصوراتها , فتأتي تلك الرؤى النقدية الجديدة متمترسة بمخرجات فترة زمنية لاحقة لتحاكم فترة زمنية سابقة , وهذا غير منهجي وغير علمي ويخفي الكثير من الحقائق ويمارس في نفس الوقت تزييفاً للوعي !

 

حينما نريد أن نحاكم فترة زمنية سابقة أو نقدم رؤية نقدية قوية عن ظروفها فيجب أولا فهم تلك الظروف وفق سياقات تلك المرحلة , ثم الانطلاق من الفهم العام الذي كان يحكمها ويتحكم في حركة الأفكار وتوزيعها في جغرافية الثقافة الاجتماعية وسياق بنائها وطريقة انبثاقها التلقائي في الوعي الجمعي !

 

ظلت مرحلة الصحوة فترة من الزمن مزهوّة بمكتسباتها الاجتماعية التي تسنّت لها في بناء تصورات العلاقة بين الجنسين مثلاً , وما تحقق لها من ترسيخ لشكل العلاقة بطريقة تختلف كلياً عن تصورات الآباء والأجداد عن طبيعة وفطرية تلك العلاقة , هذا الانقلاب في التصورات نظر إليه البعض أنه تغيير نحو الصواب وأن المرحلة السابقة كانت تغرق في الخطأ , وهذا النظرة تتغافل عن عدة أمور :

 

-       أن المرحلة أساساً لم تتغير إلا بالعامل الاقتصادي المتزامن وهو عامل الطفرة الذي أحدث الانقلاب الشامل في حياة الناس بشكل أكبر من أي استجابة أخرى يمكن أن تُعزى لمجهودات وعظية وتوعوية . فحصل التراجع في قيم العمل أساساً , وتغيرت النظرة لفكرة الكدح والكفاح فحصل انسحاب المرأة بطبيعة الحال لعدم حاجة الأسرة لها في موقع العمل في المزارع والمراعي والأسواق نظراً لتغير منظومة الدخل المادي للأسرة .

 

-       أن أي فترة زمنية كتلك الفترة لم يحصل فيها التدوين التاريخي وتقريباً كل مراحلنا تندر فيها عملية التدوين التوثيقي كما يجب فإننا في حالة انعدام ذلك التدوين الذي يكون مرجعاً وحكما نعود إليه  فعلينا حينئذٍ العودة إلى شهادات شهود العصر الذين عاشوا تلك المرحلة كمصدر آخر من مصادر التوثيق , ويستحيل أن يتفق كل من عاش في تلك المرحلة ويكذبون جميعاً ذلك الكذب الجماعي الذي نسمعه وبالصوت الواحد حينما يقولون : إن نياتهم كانت طيبة !!

تلك المقولة , مقولة ( النيات الطيبة ) إنما هي صورة توضيحية للاختلاف في معايير التقييم الأخلاقي على الأفكار والتصورات , وهذا ما أقصده تحديداً , حيث إن مخرجات تصورات مرحلة الصحوة لا تدرك في كثير من الأحيان تلك التصورات التي كانت تحكم الفترة السابقة وتشكل نمطية النظرة للأمور بشكل يختلف جذرياً .

 

من هنا يجب أن تزال التناقضات التي أحدثتها المرحلة الراهنة ونحن نشاهد عودة فعلية لقيم العمل ومنها عمل المرأة بعودة العامل الاقتصادي لفترة ما قبل ثنائية ( الطفرة / الصحوة ) , وبعد انكشاف المرحلة وعودة شرائح واسعة من الناس لقيم العمل برغم ثقل الإرث الفكري التراكمي الذي ساهم في تزييف التصورات لطبيعة الأشياء وأهمها تشويه الصورة الكفاحية الشريفة لقيمة العمل والإنتاج .

 

أخيراً الحديث ليس عن عمل المرأة بقدر ما هو تأمل لوقائع الخلل الأولي الذي أنتج لدينا كل هذه المشكلات ومنها مشكلات عمل المرأة والانفصام الحاصل عند الفرد الواحد بين حاجياته أو تطلعاته وبين محددات ( دينية اجتماعية ) تم ترسيخها خلال حقبة ماضية . كل ذلك أنتج ما يشبه الصراع الذي يمكن تفسيره أنه نتيجة خطأ أولي حصل في عملية استنبات تلك الأفكار والتصورات غير الصحيحة  والتي بدورها أنتجت لدينا كل هذه المشكلات وكل هذا الصراع والجدل الساذج حول أشياء بدهية !

الجمعة، 24 مايو 2013

محاولة لفهم بعض ( الخصوصية ) !!



 

مجتمعنا المحلي من أعقد المجتمعات في العالم , فلو أخذنا مثلاً ثنائية ( المدينة / القرية ) عبر التاريخ لوجدناها لا تنطبق على مخرجات هذه ( الخصوصية ) المحلية في هذه الأيام من وجوه عدة , من أمثلتها : أن في قُرانا اليوم هناك تمدّن واضح , كما أن في مدننا اليوم هناك عصبية قبلية ونزوح إلى الهويات الصغرى !!

وكأن الإنسان في القرية يجنح إلى المدنيّة , وهو نفسه في المدينة يجنح إلى قرويته وانتمائه , وهذا ينبئ بأن هناك حالة انفصام حادة بين ازدواجية ( الانتماء , والتطلع ) في أعماق الذهن الجمعي , تسببت حالة النكوص المعرفي والحضاري في إحداث ذلك الانفصام , ولم يكن هناك برامج تثقيفية جادة في إيواء تلك الثنائية بشكل متصالح في أذهان الناس !

 

فالإعلام والتنمية والمشاريع الحكومية استهدفت المدن الكبرى وأهملت الأطراف – نوعاً ما –  فحصل الجنوح القروي نحو تمثل قيم المدن , رغبة في تعويض ما فات , في ذات الوقت الذي حصل فيه في المدن ما يشبه الاحتكار الوظيفي والاقتصادي في الفرص وعدم التساوي ولجوء الناس إلى مفاهيم الواسطات فحصل الجنوح إلى الهويات الصغرى كنوع من التكتل في مواجهة الشعور بالتهميش وما يتبع ذلك التكتل من التقوقع على الذات والانتماء وسط المدن التي تعجّ بالتشكيل العرقي متعدد الأطياف !!

لستُ ضد نقل القيم الخاصة إلى المدن , بالعكس , هذا الشيء بالذات فيه إثراء جميل .. ولستُ أيضاً ضد انتقال القرويين إلى مرحلة التمدن , بالعكس أيضاً هذه ضرورة عصرية .. وإنما هنا أنا أحاول أن أتلمس مواضع الخلل الاجتماعي الرهيب الذي من شأنه أن يعقّد الوقائع البدهية للدارسين لحالتنا الاجتماعية فيقعون في حيرة في فهم طبيعتنا المدنية والقروية على السواء , وكيف أنها يمكن أن تخالف حركة تلك الثنائية عبر التاريخ !!

 

يحتار الدارسون للمجتمع المتمدن عندنا في كونه عبارة عن جملة من المجتمعات الصغرى – وإن تجانست – إلا أن أغلبها لم يهضم بعد قيم المدنية الحديثة , ويحتارون كذلك في كون مجتمعنا القروي لا تنطبق عليه محددات القروية تاريخياً وإنما هو صورة مصغرة لمجتمع المدينة ولا يختلف بشيء سوى أنه مع كل هذا يعيش في قرية !!

 

حسناً .. لست هنا بصدد تقديم مشروع حل لتلك المعضلة , فهذا من شأن المتخصصين في علم الاجتماع , ولكن لعل مهمتي هي طرح أسئلة أخرى تحيط بالموضوع .. مثل أسئلة التنمية وتوزيعها المناطقي , وأسئلة المحاصصة والفرص  وإعادة النظر في معايير الثقة وتقسيمها , وبذلك لعلي أقدم شيئاً بسيطاً في عدم تحميل المسؤولية كاملة على المجتمع بشقيه المدني والقروي , ولا على تلك ( الخصوصية ) التي لابد وأنه كان لها صانع قد صنعها , ولا يزال يرى مخرجاتها !!

 

هذه الفكرة التي أقدمها أعتقد أنها تفسر جزءاً من مظاهر العودة إلى القبلية اليوم , وأعتقد أنها قد تجيب على أسئلة موجعة حول أسباب عودة تلك القبلية اليوم ظاهرة للعيان , بشكل أزعج بعض المتلهفين الذين كانوا ينتظرون تلك اللحظة التقدمية في مظاهرها الاجتماعية والمدنية والسلوكية!!

 

فيما كُتب عن القبليّة ومظاهرها لم أر أحداً كتب عن الدوافع الكامنة وراء رغبة الناس في العودة إلى تلك المظاهر . حتماً هناك أسباب أكثر حضوراً من مجرد الرغبة في تحقيق تلك الذات الصغرى أو الهوية الانتمائية , وربما كانت تلك الذات أو الهوية شعاراً يخفي شيئاً أعظم وأكثر إلحاحاً عند الناس في العقل اللاواعي دفعهم دفعاً إلى اللجوء لتلك المنطقة الحاضنة !

 

أنا أعتقد أن منشأ تلك العودة أو ( الردّة ) المدنية في نظر كثيرين  هو ذلك الشعور بالخطر المتربص في عمق الوجدان الجمعي لمجتمعنا , ولكل تجمع فئوي أصغر كالقبيلة مثلاً , فالأحداث من حولنا والأخطار المحدقة , وعدم ثقة كثير من الناس بالمستقبل , أعتقد أن كل ذلك قد دفعهم دفعاً – ربما دون شعور - إلى التنادي والتشكل والتعارف من جديد بعد سنوات التنمية والطفرة والتفرق في الأرض , ثم ترتيب البيت القبلي من جديد في هيئة مناسبات شكلية هدفها الأساس - من وجهة نظري - إعادة التعارف من جديد وبث القيم الخاصة لإعادة صناعة تلك الوحدة الانتمائية الخاصة , من أجل إعادة ترميم النسيج الانتمائي الحاضن كنوع من مواجهة فرضيات عدة لا يزال يثيرها القلق الجمعي نحو المستقبل !!

 

ما سبق مجرد اجتهاد شخصي في فهم مسببات ذلك الانفصام الذي حصل بين إنسان عصري ربما ولد وعاش في مدينة وبين مدينته التي فشلت في تطبيع شخصيته , وربما أعادته بمقوماتها القائمة إلى مقاومة تلك المقومات , في نسق استثنائي غريب لم يتكرر ولا أعتقد أنه سيتكرر إلا في هذه الحالة الخاصة !!

 

المهم أنه علينا التعمق أكثر في فهم خواصنا ومسبباتها وجذورها , وأنه في كثير من الأحيان قد لا تنطبق علينا المحددات العلمية العريقة في التاريخ والانثروبولوجيا , نظراً لتحولات هذه اللحظة الاستثنائية , وتعقيداتها , وتداخلاتها المحيّرة !!

الاثنين، 13 مايو 2013

نظرية ( خطوات الشيطان ) !!


نظرية خطوات الشيطان !

 

يقول المنطق الممانع للتحديث في شؤون الحياة العامة في المملكة : إن فكرة القبول بالخطوة الأولى – في بعض شؤون الحياة ومستجداتها - مدعاة للتدرج للوصول إلى الحالة التي تسمى ( الانفلات ) أو ( تمييع الدين ) أو ( الخروج من الهوية والدين ) إلى آخر تلك الأوصاف التي تشعرك بأن جذوة الدين الإسلامي ستنطفئ من النفوس فور اتخاذ أي خطوة تحديثية في الشؤون الثقافية أو الإعلامية أو السياحية أو الترفيهية التي تعاني من الكساد الواضح عن مثيلاتها في دول أخرى أقل في الإمكانيات .

 

دعونا نحلل هذا المنطق من داخله , لنطرح أسئلة كهذه  :

ما شأن الدين الإسلامي وحضوره في الغرب ؟ هل هو مهدد أم في ازدياد مطّرد ؟؟ وما شأن التدين في الدول العلمانية وهل أثر على منسوبه في قلوب الناس ؟

 

بمقارنة واقعية بدول أخرى ليس للمظاهر الدينية ذلك الحضور الطاغي على حياة الناس سنجد أن التدين لم يُجتث من قلوب الناس , بل ربما كان الناس هناك أكثر تدينا بفطرية التدين المعزز بالدافعية لا بالإجبار الاجتماعي أو السياسي ! إذن أليس من الأولى بالخطاب الوعظي والديني استهداف تلك الدافعية في خطابه وتعزيزها بدل استثمار الحظوة السياسية والاجتماعية في فرض القناعات الخاصة؟ وصولا إلى فرض التصورات المذهبية الخاصة على كل أشكال الحياة العامة على شرائح متعددة من المجتمع !!

 

لا أفهم أي شكل للممانعة التحديثية في أبسط الأمور إلا أنه شكل من أشكال الرضا بالانغلاق والرغبة في تعميم الإرادة الضيقة على شريحة واسعة جداً من الناس , وهذا ليس من أدب الاختلاف أو احترام ذلك الاختلاف وهذا يؤثر على التعايش السلمي والوفاق بين أبناء الوطن الواحد على الأمد البعيد .

 

نعود إلى منطق الممانعة بشيء من التفصيل الأدق وبشكل أبعد عن الإنشائية قدر المستطاع فأقول :

إن ما يُعتقد أنها خطوات أولى للشيطان ليست مقرونة  بمعايير واضحة تفيدنا ( بالدليل ) في التفريق بين ما هو من الشيطان وما هو من المباحات ( المسكوت عنها ) والتي يمكن أن تؤدي إلى خطوات شيطانية أكبر في منظورهم , فالخطاب الوعظي المحلي لا يفصّل كثيراً  في تعاطيه للكثير من المستجدات ولا يبني في تصورات الناس أدوات ثابتة لكشف ما يمكن اعتباره من خطوات الشيطان أو من المباحات . والتجارب الاجتماعية طوال تاريخنا تثبت سخف تلك المخاوف التي كان يعتقد في أوقات كثيرة أنها خطوات شيطانية لم يلبث أن اقتحمها التيار المحافظ نفسه بكل ثقة , والأمثلة كثيرة !

إن استخدام قاعدة فقهية مثل ( سدّ الذرائع ) دون أي اعتبارات استراتيجية واقعية في عالم اليوم من شأنه تزييف الوعي العام وتشويه المدركات تجاه الحياة والعالم من حولنا , هذا بدل دراسة تلك المستجدات وبحثها وتقديم وجهة نظر أكثر تفصيلية من الاستخدام التقليدي للرفض المعتاد .

التحجج بخطوات الشيطان في مواجهة أي تحديث أو إصلاح اجتماعي أو اقتصادي هو ادّعاء كسول تجاه تلك التفاصيل المهمة والمقنعة للقبول بمشروع الممانعة أو الرفض استناداً على حقائق لا مخاوف وظنيات !

 

لا يمكن أن يكون هناك سقف منطقي لمبدأ سدّ الذرائع حتى يطال كل ما هو ساذج وبدهي ومباح وضرورة , لأن كل شيء يمكن أن يؤدي وظيفتين إحداهما سلبية والأخرى إيجابية , فلن يكون هناك سقف معقول لسد الذريعة مطلقاً , إلا إذا قابله مبدأ فقهي آخر غير معترف به في المنظومة الدينية المحلية وهو ( فتح الذرائع ) ودون السير بتوازن فقهي بين المبدأين ستكون العجلة الفقهية منحرفة إلى أبعد مدى حتى تصل إلى تلك الدرجة اللامنطقية كما شاهدنا ونشاهد يومياً عبر الفتاوى والاجتهادات التي تبدو مضحكة وتضع نفسها موضع السخرية .

 

فالأدوات نفسها التي تحرم بعض مستجدات اليوم ينبغي – بشكل منطقي – إسقاطها على كل شيء حتى السيارة التي من شأنها أن تقتل وتسفك الدماء وتستخدم في ( التفحيط ) بشكل كبير جداً عند المراهقين !! وهي نفسها المنظومة الفكرية التي كانت قد حرمت يوما ما ( التلكس والبرق والراديو والدراجة الهوائية ) !! هي نفسها اليوم التي لا تزال تستخدم مبدأ الرفض المطلق لكل شيء كاستراتيجية وحيدة في مواجهة الواقع وإشكالياته , دون أن تقوم بمراجعة تاريخية ضرورية لأدواتها ومحدداتها تلك في زمن مختلف تماما ليس في سياقها .

 

الأمر الأهم من كل هذا أن التزييف المستمر للوعي بخلق نظرية مؤامراتية ضخمة بحجم مجتمع , ومنطلقة من التضخيم المبالغ فيه حول أي خطوات تحديثية ساذجة , عبر بثّ تحذيرات متراكمة , من شأن كل ذلك أن يعيد إلى الأذهان أحداث عنف مستقبلية لم تبرأ ذاكرتنا منها بعد , والتي هي الأخرى لم تكن سوى قيماً تم بثها في غفلة من الزمن وبسكوت الجميع , ولكن كانت مخرجاتها دماء ونيران وتفجيرات وأشلاء !!

 

الأربعاء، 17 أبريل 2013

المرأة .. بين المذهب والدين !!


 

 

استكمالاً لمحاولة كشف خلل الفجوة الحاصلة اليوم بين المذاهب الدينية وبين مستجدات الواقع والعصر , نحاول أن نتلمس الجذور الأولية للثقافة حيث مصادر التغذية التي تشكل فضاء تحرك تلك المذاهب والاجتهادات ومساراتها وتصميمها البنيوي من الداخل .

 

 فلو أخذنا قضية المرأة في الخطاب الديني السعودي على سبيل المثال , وكقضيةٍ تداخلت فيها عدة خيوط وتعقدت بين عدة اتجاهات اجتماعية ودينية وسياسية , فإننا نجد أن المرأة في الوجدان الثقافي في الجزيرة العربية تُشكّل منذ القدم منطقةً حساسة في عمق العقل الاجتماعي , وحتى أزمنة قريبة  قبيل عهد التأسيس , فإننا نجد مثلاً أن عمليات الغزو التي كانت تتم بين القبائل كانت تمارس فيها كل أنواع السلب والقتل والهتك باستثناء الاقتراب من المرأة , بل إن القبيلة الغازية إن أرادت الغزو ولم تجد إلا النساء فإنها تعود أدراجها ولا تقترب منهنّ ! وهذه طبعاً من الأخلاقيات التي كانت منهجاً عند سكان الصحراء.. وكل ذلك يأتي ضمنياً في ما تعارف عليه المجتمع آنذاك من تعظيم لتلك المنطقة الحساسة جداً في الوجدان الجمعي !

 

كل ذلك يعطينا التصور الواقعي – فيما أعتقد – لسبب صياغة وضع المرأة في الخطاب الديني وفق ما نلمسه اليوم من اجتهادات تتجاوز النص الديني لتلامس طبيعة الوجدان الاجتماعي وقد تنطلق منه أو تدور حوله في طبيعة استحضار المرأة في ذلك الخطاب والتي تقوم على ذلك الإرث الثقافي في طريقة التعاطي مع حضورها في الحياة العامة اليوم وصياغة وضعها وتشكيل علاقتها بالحياة , حيث إن الممانعة والمحاذير الدينية التي يصوغها الخطاب الديني بشكل عام في موضوع المرأة ليس إلا شكلاً من أشكال التغلب الثقافي للعادات والتقاليد والتصورات والصورة النمطية للمرأة في الوجدان الاجتماعي عبر تاريخ طويل , كل ذلك قد فرض حضوره الملحّ على تشكيل صياغة الصورة النمطية في ذلك الخطاب الديني عن المرأة وقضاياها إلى تلك الدرجة التي غلبت فيها على النص الشرعي وغطت على مقاصده وربما انحرفت به إلى السير في فلك تلك التصورات البيئية المحلية وليس إلى أبعاده المقاصدية الحقيقية كما جاءت على حقيقتها وفلسفتها في النسخة الأولى من إسلام ما قبل المذاهب !

 

الحقيقة أن كل ذلك ليس مهماً إلا حينما حصل الانقلاب فجأة في حياة الناس اليوم , واستجدت وقائع عصرية جديدة , بل ثورة عنيفة في الحياة وأسلوب العيش وأدوات التفكير وآلياته , كل ذلك أحدث شرخاً هائلاً بين تلك الثقافة التي لم تُبنَ أساساً على دين وإنما على حضور الملحّات البيئية , وبين واقع زمني مختلف وباذخ التغيير , فوقع الفرد الواحد في عدة صراعات حادة من أجل الهوية ومن أجل الحياة !!

أنتج هذا الصراع فجوة هائلة بين حاجيات جديدة وبين محددات ترسخت عبر عقود طويلة , مما أنتج انفصاماً عند الفرد في توزيع خياراته بين حاجياته وبين تلك المحددات التي رسمت طريقة التعاطي مع الفكرة , وحسمت ترسيخها عبر الزمن . حتى جاءت تلك اللحظة التي أثمرت فيها تلك الأفكار تناقضاً مع الواقع الجديد ومتطلباته وحاجياته وظروفه الجديدة الأكثر إلحاحاً .

 

إن مما نأخذه على الفكرة الوهابية , وأيضاً على فكرة الصحوة الدينية في الثلاثين سنة الأخيرة , وكلاهما توصفان بأنهما تجديديتان لوضع ديني كان قائماً , أنهما لم تؤسسا لبناء دور تجديدي حقيقي يسهم في التنوير الشامل في موضوع المرأة بشكل أوسع , وتخليص الدين من عوالق التصورات البيئية الخاطئة حولها , بل ربما أسهمتا تاريخياً في تكريس تلك التصورات وتعزيزها , مرهونتان ربما بحضور تلك التصورات المؤثرة على العقل الاجتماعي ومخرجاته , أو انبهاراً بها وتعاطفاً مع فلسفتها المبالغة في الممانعة والتحذير والشك والهوس إلى تلك الدرجة التي يُجعل من مجرد الصوت عورة ! ثم الانعكاسات الاجتماعية الأخرى في مراحل تالية والتي لاحقت حتى أسماء الإناث وغلّفت الاسم الأنثوي بغلافات لفظية مهمّتها إضفاء المواربة والتمويه عن الوصول إلى الاسم الحقيقي مثل ( الأهل , العيال , أم العيال ) وجعلت من مجرد الأسماء مناطق لفظية محذورة هي الأخرى , كل ذلك بصمت الخطاب الديني وبموافقته أحيانا دون أن يكون له أي دور تصحيحي مسؤول في حالة الحساسية تلك , أو محاولة فاعلة في تخليص الديني من البيئي , وبناء تصور سليم ربما يكون له أثر اليوم في رسم مخرج آمن لذلك التناقض والفجوة التي حصلت والانعكاسات الثقافية السلبية المتراكمة على تلك التصورات !!

 

وكل ذلك في نهاية المطاف هو محاولة لحثّ ذلك الخطاب على إعادة التصحيح الشامل , فالقدرة التي أبداها الخطاب الديني بشكل عام في إعادة برمجة وتوجيه المجتمع نحو أفكار محددة يجعل من الممكن القول بإعادة التصحيح وانتشال الثقافة لتقفز على تعقيدات العصر وتناقضاته بالدخول في حالة تمحيص منهجية لحقيقة وضع المرأة في الإسلام كما جاء في خير القرون منطلقين من فهم مقاصدي أشمل لا فهم بيئي يعيد إنتاج نفسه في كل مرة كي يغازل العادات والتقاليد بدل أن يصححها ليرقيها إلى الفعالية التي تمتنع عن إنتاج التناقضات الحادة . فالإسلام حينما جاء , فقد جاء شاملاً لكل نواحي الحياة الاجتماعية ومصححاً للكثير من العادات , ولم يأت متجنباً لأي مناطق ملغومة , وفرض بقوته وحجته تصحيح وضع المرأة في العصر الجاهلي من موؤدة منبوذة تُخرج من البيت في وقت حيضها إلى عنصر فاعل في الحياة لدرجة أنها قادت الجيوش ومارست الفتيا والتعليم , في مفارقة تعيد طرح سؤال عريض كهذا :

هل أغلب الاجتهادات المذهبية تنطلق من مقاصد النص أم من أفهام مرهونة بالتأثير البيئي والاجتماعي وربما السياسي أحياناً ؟ وعليه .. فهل ستكون ملزمة لنا في عصور لاحقة ؟؟
 

الخميس، 11 أبريل 2013

فصل المذهب .. لا فصل الدين !!



 

تأتي تلك العبارة الرنانة ( فصل الدين عن الدولة ) في سياقات نقاشاتنا عادةً دون أدنى جهد من أي من الأطراف – مع أوضد تلك المقولة – في تحرير حدودها وتوضيح مؤداها العام لتأتي مشّوشةَ وتشوش معها أيضا أهداف النقاش وتجعل الجميع في النهاية بلا نتيجة , لأنها منذ الأساس لم تكن عبارة دقيقة أبداً !!

 

هذا المصطلح الذي جاء واصفاً وملخصاً للفلسفة العلمانية في السياسة مرّ بعدة تطورات زمنية ليس هنا مجال سردها إلا أنها وصلت تقريباً إلى ذلك المفهوم المتفق عليه من تحييد الدين عن الحياة العامة , ليظل شأناً فردياً لا اجتماعيا أو سياسياً  .

 

في حالتنا العربية والإسلامية يجب أن نوضح أولاً : ما هو الدين ؟ وما هي الدولة ؟ ثم نبدأ في الانطلاق للوصول إلى اتفاق أو اختلاف جاد حول تلك العبارة التي أعتقد أنها بقيت إلى الآن دون أن تؤسس في الوجدان الثقافي شيئاً يذكر رغم أهميتها المرتكزة على علاقة التبادل الديني – الدنيوي , ومحوريتها كفلسفة في  إيضاح مساحات التوقف أو التحرك بحرية في عالم السياسة اليوم !

 

اليوم .. إسلامنا يتضمن عدة نسخ متباينة , فأي نسخة بالضبط هي التي يجب فصلها أو إلصاقها بالسياسة ؟ النسخة السلفية أم الشيعية أم الإباضية أم الأشعرية ؟  كل واحد من تلك المذاهب هو كيان مستقل بذاته بإمكانه أن ينتقل إلى تطبيقات السياسة ليكون ديناً مستقلاً ومختلفاً تماماً عن الدين الآخر / المذهب الآخر  !!

 

ففي هذه الحالة المذهبية الضيقة لو جاء أحدهم وقال بضرورة فصل الخطاب المذهبي عن تطبيقات السياسة , فهل سيكون هذا كافياً لأن يكون علمانياً يريد تحييد الدين برمّته عن السياسة ؟؟

هذا الذي يغفل عنه الكثير من أقطاب نظرية  فصل الدين عن السياسة اليوم من الجانبين , فالجانب العلماني بما لديه من ضعف شرعي يرى التطبيق المذهبي أمامه على أنه التطبيق الديني المفترض وأن تلك الانحرافات المذهبية عن جادة العقل والمنطق إنما هي الدين الذي يدعو ذلك العلماني إلى تحييده عن الحياة حفاظاً على الإنسانية والعقل والقيم !

والمتدين ( مذهبياً ) بما لديه من إيغال في التمذهب وتعصبٍ له يرى أن ذلك المذهب هو الدين الذي ينبغي أن يحافظ عليه وعلى تشريعاته , وأن القابض عليه كالقابض على الجمر !

 

كلا الجانبين معاً هما أسباب المشكلة , وهما اللذان ساهما  في ضبابية تلك العلمانية وضبابية الدين معاً وبالتالي حصل التشويش في الأذهان عما يجب فصله فعلا وما لا يجب !

 

يجب القول إن الإسلام كدين شمولي عابر للأزمان والثقافات لا يتدخل في تلك التفاصيل الصغيرة لشؤون الحياة التي يتدخل فيها المذهب عادة ويقحم نفسه في فرض سيطرته على الحركة ونواحي التفكير في أدق تلك التفاصيل ! بل إن الإسلام يترك تلك المساحة الواسعة جداً والتي تسمى في الفقه الإسلامي على مرّ التاريخ بـ( منطقة العفو ) وهي تلك الأشياء المسكوت عنها من التحريم أو التحليل , فالقاعدة الأساس هي أن الأصل الإباحة والتحريم محدد , قبل أن يأتي المذهب فيقلبها رأساً على عقب ويقول : إن الأصل التحريم والإباحة محددة ومشروطة بموافقتها مزاج المذهب والمفتي والثقافة المحلية  و ( الخصوصية ) !!

 

ينطلق ذلك التوسع في التحريم والتضييق في التحليل إلى ما يسمى بـ الأخذ بالأحوط أو سدّ الذريعة , وهذا في الغالب لا يعكس سوى كسلاً معرفياً عند المذهب في التزامه بمبدأ التحريم المريح دون بحث وجوه المنفعة والمضرة والقياسات النظرية لكل منهما كمنهجية فقهية كانت موجودة منذ عهد عمر رضي الله عنه الذي عطّل حد السرقة لنازلةٍ وقعت بالدولة وهي ذلك الانهيار الاقتصادي الذي وقع عام الرمادة كمخرج سياسي مؤقت لتلك الأزمة !

 

من يسعه الخروج عن قيود المذهب سوف يعلم كم هي سمحة تلك الشريعة الإسلامية التي لم تُثبِت في أصولها وثوابتها إلا القطعيات المشتركة من حقوق وعدالة وتوحيد وإحسان وحفظ للضرورات الخمس من مال ونفس وعرض وعقل ودين , وكلها قيم حضارية تطبق في بعض علمانيات العالم اليوم كضرورات إنسانية بحتة !

 

ومن يسعه الخروج عن المذهب سوف يعلم كم هي عملية تلك الشريعة الإسلامية التي وضع النبي صلى الله عليه وسلم عنواناً بليغاً لأصحابه بشأنها حين قال : " أنتم أعلم بشؤون دنياكم " ! أي أنه لا يتدخل في تلك التفاصيل الصغيرة ما دام أن تلك المقومات الأولية من قطعيات وثوابت تكون موجودة وهي ليست إلا قيماً إنسانية جامعة مانعة !

 

فحين يطبق المذهب مثلاً اجتهادات وردت في كتاب مذهبي اجتهد صاحبه في زمنه , ثم يلزم أن تنتقل تلك الاجتهادات بما فيها من عيوب وثغرات إلى تطبيقات السياسة والقضاء والقوانين في مشهد الحياة العامة اليوم , كما حصل في قضية تطليق امرأة من زوجها لعدم تكافؤ النسب , والذي لم يكن ذلك التشريع سوى رأي مذهبي في كتاب مات مؤلفه منذ أربع مئة وخمسين سنة ,  فهذا الذي نعارضه معارضة تامة , وليس تطبيق آية قرآنية أو حديث صحيح صريح لن نجد أصلا فيهما – بشرط حسن الاستنباط والإسقاط المقاصدي - ذلك التناقض المريع مع الحياة اليوم وتغيرها العنيف  !!

السبت، 30 مارس 2013

بين مقولتين .. كيف يفهم المسلمون دينهم ؟؟



 

أحضرُ هذه الأيام دورة تدريبية كان مما طرح فيها بعض مهارات التفكير وكان لابد أن يطرح اسم الأب الروحي لتلك المهارات وهو إدوارد دي بونو ذلك الطبيب النفسي الذي ترك مهنة الطب واتجه لبحث تلك المهارات وبثّها وتدريبها  – مكتشفاً نفسه في مرحلة لاحقة أنه خُلق لتلك المهارات أكثر من مهنة الطب - ! المهم في الموضوع أن المدرب مشكوراً طرح اسم ( دي بونو ) مستحضراً مقولة له ذات يوم عن الإسلام في جواب وُجّه له عن رأيه في هذا الدين , فيقول : وجدتُ الإسلام أكثر دين يحثّ على التفكير ! اهـ ومقارناً بين مقولته تلك ومقولة البابا بنديكيت السادس عشر حين قال : إن الإسلام يُجمّد العقل !!

 

الحقيقة أن كل ذلك الاستعراض للمقولتين جاء سريعاً وعرضياً , إلا أن الفكرة التي تم تمريرها بشكلها المبسط عن المقولتين قد أصابت عقلي بالشلل لدقائق طويلة خلال تلك المحاضرة , فبقيت أبحث في حلقة مفرغة قد تم تجاهلها بشكل ساذج يتغافل عن مكامن الخلل في المقولتين معاً , وهو – برأيي – أُسّ البلاء الذي نعيشه في ثقافتنا الدينية وأحد جذور الخلل الكامن .. ومن النادر أن يتحدث أحد – بكل شفافية – عن ذلك الخلل الصارخ !!

 

أردت أن أعقّب ولكن استسخفت التعقيب بعد أن تم تجاوز الفكرة وما بعدها خلال اللقاء بمراحل .. كما أن طبيعة الحضور والتشنج المتوقع – والذي أنا معتاد عليه – كل ذلك قد وضع أمامي تجاه التعقيب والرد حواجز من التردد والرغبة في عدم تشويش الجو وإحداث مفرقعة جدلية ليس هنا مكانها , ففضلت الصمت , فما الذي أردتُ قوله ؟؟

 

أعتقد أن مقولة بنديكيت التي تقرر أن الإسلام دين جمود , لا ينبغي التعامل معها على أنها مجرد حقد ديني من بابا إلى دين مختلف , كما هو الأمر ببساطته بين شيخ مسلم تقليدي ودين مختلف وتصوير الأمر على أنه كراهية دينية مجردة , إطلاقاً , فالبابا بنديكيت أكثر علماً بالإسلام من إدوارد دي بونو الطبيب المهتم بمهارات التفكير , ولذا فما قاله بنديكيت – في عمقه -  فيه شيء من الحقيقة الصادمة !! فما هي ؟؟

 

بداية ً .. دي بونو محق فيما قال , حيث قراءته الشمولية للنصوص من الخارج , وهو صادق بلا شك في أن الإسلام دين يحث على إعمال العقل , إلا أن البابا بنديكيت قد تعمّق أكثر في قراءة الإسلام إلى تلك الدرجة التي خبر بها المذاهب والاجتهادات الفقهية والعقدية التي لحقت بالإسلام وتعلقت به , فحين يقرأ مثلا قول أحدهم بوجوب تقديم النقل على العقل , ويقرأ أو تتاح له قراءة هذه النسخة من الإسلام , فماذا تريدون منه أن يقول وهو يرى ذلك الإغلاق المتعمد  والتغييب الممنهج لنعمة العقل ؟؟

ما تفوه به بنديكيت يجب أن يكون صادماً لنا ولثقافتنا ويعطينا القدرة على ممارسة نقد الذات الحرّ وبشجاعة ورغبة أكيدة في إصلاح الخلل !! فالإسلام لم يكن بذلك التمذهب وتلك الاجتهادات المغلقة لأبواب العقل والتفكير , ولهذا حين قرأ دي بونو بشكل مجرد ومباشر من المصدر الأصلي للإسلام وجد تلك النسخة الأصلية من الإسلام الذي لم يتشوه بالآراء والاجتهادات التي أتت في عصور لاحقة , ولهذا أيضا فحتى بنديكيت في مقولته تلك لم يكن مخطئاً بدرجة كبيرة سوى في أنه لم يفصل في حقيقة أن ما يقصده هو النسخة المعاصرة من الإسلام , والتي خرجت كثيراً عن نسق النغمة الأولى الأجمل والأكثر براءة وإشراقاً إلى تلك التي مال بها بعض الفقهاء عن المقاصد المؤكدة في القرآن أكثر من مرة عن وجوب التفكير والتدبر والتعقل والنظر والتأمل وبشكل لم يتكرر بنفس الكمية للصلاة نفسها والعبادات الفرائضية الأخرى !! فعلام يدلّ هذا ؟

 

نعم الإسلام دين تفكر وتدبر وإعمال للعقل وتقديس له , ولهذا فإن مسألة تقديم العقل على النقل الذي تقول به المعتزلة – في تصوري – ليس هناك حاجة لها بشرط أن يتم فهم النص وفق منطقه المقاصدي الصحيح وإنزاله منزلة ظرفه التاريخي والزمني والثقافي والبيئي الذي تموضع ذلك النص فيه حين نزل , وبالتالي فلن يتعارض مطلقا مع العقل إن تم التعامل به وفق تلك الآلية , ولن نحتاج إلى تقديم العقل عليه , ولكن حين جاءت المذاهب وتدخلت السياسة في الدين , وجاء فقهاء قولبوا تلك النصوص وفق أفهام معينة في عصرها وسبّب ذلك الاعتساف لمقاصد النصوص بعض التصادم مع العقل جاء المعتزلة ليقولوا بتقديم العقل على النقل , ثم جاء السلفيون ليقولوا بتقديم النقل على العقل , كردّ اعتبار لقدسية النص من وجهة نظرهم , وهكذا ظل المسلمون في دائرة جدلية مفرغة , رغم أن أساس المعادلة – من جذورها – يجب أن تكون أكثر بساطة وديناميكية , وذلك بالنفاذ إلى فهم حيثيات النص ثم قياسها بالمقاصد للوصول إلى الدراية  بمنطقية النص ومنطلقاته ودوافعه وأبعاده , وبذلك سوف تنتهي المشكلة تلقائيا  !

 

الأهم هو أن المسلمين اليوم حين يتباكون على خذلان حضارتهم وذهاب هيبتهم وزوال قوتهم وتأثيرهم , فيجب أن يكون هذا دافعاً قوياً إلى بحث جذور كل ذلك الذلّ والضعف معرفياً وتاريخياً بكل شجاعة .. فالمقولات الساذجة مثل : ( مشكلة الإسلام في المسلمين أنفسهم ) , أو مقولة : ( لن تقوم لنا قائمة إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح ) , كل تلك المقولات إنما هي عبء إضافي على المشكلة وعلى وعي ووجدان الأمة !!  فأي نسخة من الإسلام هي التي ستصنع حضارة ؟ وأي رجوع يقصد به ؟ وما آلياته ؟ وما هو الدين الصحيح اليوم ؟ كل ذلك وغيره يجب أن يطرح بمكاشفة شاملة تشمل علماء ومفكرين في ثورة فكرية ملحمية صادقة هدفها أسمى من تصفية الحسابات وتبادل الاتهامات التي لا تشكل إلا وقوداً مغذياً لاستمرار تلك الحالة من الضعف والهوان !

ساق الغراب .. الرواية حين تؤرشف الهوية !!



 

من الروايات النادرة التي وجدتها تكتبني أنا شخصياً , وتلخّصني من دمائي الممتدة من جبال السروات بعروق الحنين الحارّة إلى وجداني المبثوث بحثاً عن هويةٍ منتهكة وأرضٍ افتُضّت بكارتُها إلى غير رجعة ..

 

إنها ساق الغراب أو ( الهربة ) للصديق يحيى امقاسم الذي أهداني نسخة من الرواية مشكوراً قبل ثلاثة أشهر وتحمّل عناء إرسالها لي على حسابه الخاص , إلا أنني مع زحمة انشغالاتي التي لا تنتهي اضطررت أن أحشر توقيتها بين جملة الكتب التي تصطف أمامي في انتظار لحظات اغتصابها التي أسرقها رغم أعباء الأسبوع , فحين جاء دورها سرقتني هي نفسها من نفسي وأعمالي فأنهيتها في ثلاثة أيام , ليس لجمالها وحبكتها فحسب , فهذا شأن آخر قد يقيّمه من هو أقدر مني على ممارسة النقد السردي وفنونه , ولكن لكونها تكتب جزءاً من الوجدان الجريح , وتُشرّح لحظة الزمن المتوقف منذ أن تغيّر وجه الأرض برداء غير ردائها الذي كانت تتلفع به لمئات السنين !!

 

إن ساق الغراب وهي تحكي جزءاً من تاريخ غفا إلى الأبد لتؤصلُ حكاية الإنسان الذي عاقر هذه الأرض وكان جزءاً منها وهي جزءٌ منه في مشهد عشق سرمدي امتدّ طوال التاريخ لتأتي تلك اللحظة التاريخية التي تخلّى فيها الإنسان عن تلك الأمشاج , فتشي الرواية بذلك الانهيار الوجداني لإنسان تلك الأرض الذي رضي بالذوبان وتخلى عن نفسه ولسانه وردائه ولون بشرته نظير حظوة جديدة أتى بها زمن جديد في واقع جديد انتهك تاريخه وثقافته ولسانه وقصائده وأسماره وعلاقته الفطرية بأبناء وبنات أرضه !

 

الرواية حقيقةَ ليست بدعاً في طرق هذا التاريخ الجنوبي الغائر , فهناك أعمال أخرى تطرقت لشيء من الأرشفة التاريخية في ذلك النسق السردي , كما عند عبدالعزيز مشري رحمه الله وكذلك عبده خال والكثير جداً من المبدعين من تلك المنطقة الذين نقلوا لنا مسرح الماضي أمامنا بكل ركام أوجاعه .. إلا أن ساق الغراب – في تصوري – كانت أكثر تلك الأعمال في الاتكاء على وجع ( الهوية ) المستسلمة والمسلّمة .. تستثير الرواية تفاصيل حركة النزوح الثقافي إلى عقيدة جديدة ومذهب جديد وأشخاص جدد جاؤوا ليفرضوا كل ذلك الإحلال الجديد لزرعٍ جديد استجلب إلى هذه الأرض حتى تبدّل وجهها وبُترت عنها براءتها وإنسانها كذلك , فلم تعد تلك الأرض التي كانت يوماً تُسقى بالدم والدمع والعرق , لم تعد – في وجدان أبنائها بعد ذلك – أكثر من ركام من جهل قديم وخرافة جاء الفاتح الجديد ليضيئها بأنوار علمه ودينه وتقاليده الجديدة , وزرعه الجديد , وفي مشهد تاريخي موجع سلّم الإنسان ناصيته لهذا التغيير , فتغيرت حتى دماؤه فلم يعد ذلك الدم الجنوبي المغلي الذي يثور من كلمة ويسيل من غمزة ويفيض بالحب والفرح والبراءة .. لينقلب إنساناً آخر . يلهث وراء قوته في المدن البعيدة تماماً كالأغراب الذين يجوبون هذا الوطن المكتنز من تحت تحت أرجلهم بالعطاء , بلا أي قيمة للفرح في داخله وبلا أي نكهة للحياة التي ما إن استبدل بزوالها ألوان ملابسه الزاهية بذلك اللون الواحد حتى تبدلت معها حياةٌ كاملة تحولت هي الأخرى للون واحد ونكهة واحدة ونسق واحد من الأفكار والتصورات جعلت أجيالاً متعاقبة يتناسلون بنسخة واحدة في لون واحدة ووجه واحد متشابه بلا ملامح تقريباً !!

 

إن ( الهربة ) التي حكى عنها يحيى امقاسم لم تكن أكثر من ( هربة ) الإنسان من نفسه ودمه وعروقه , هرب هذا الإنسان أيضاً – تحت خديعة كبرى – من جذوره وقطّعها ليكتب بذلك جذوراً جديدة لم تكن هذه الأرض تعرفها يوماً ولأفكار مستوردة لم تكن في عقله منذ أن درج أجداده يحرثون ويزرعون ويقلعون بدماء قلوبهم ومقل أعينهم , فاستُبدلت البذور ببذور , والزرع بزرع آخر , فتغيرت نكهة الخبز , وتبدّلت أغاني الزراعة , فقيل يا سماء أمسكي أقدارك ويا أرضي ابلعي رجالك .. وتبدلّت الحقول إلى ( عثّريات ) لا تنبت غير الشوك والطلح والأثل , وقيل وداعاً لروح قوم طاهرين !!