الاثنين، 18 نوفمبر 2013

الأخلاق بين الفلسفة الدينية والإنتاج المذهبي !!

     

     حين نتأمل في الحديث الكريم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) سنجد أشياء عميقة جداً في تلك الكلمات القليلة . بل ستدفعنا تلك الروح التي تفوح من تلك الكلمات إلى السير باتجاه إنتاج الكثير من الدراسات والبحوث الدينية التي ستنقّب بشكل جاد عن ماهية الدين , وفلسفته , ورسالته التي جاءت – كما يقول الحديث – لإكمال المنظومة الأخلاقية الإنسانية .

     العرب في العصر الجاهلي كان لديهم أخلاقهم الإنسانية الرفيعة –مثل سائر الأمم – التي تنشأ الأخلاقيات فيها وتتنوع بحسب الثقافة الخاصة بكل أمة . إلا أن هناك مشتركات إنسانية عامة تشترك فيها كل الأمم , وهي التي جاء الدين ليعززها أو ( يتممها ) . وقد لا نحتاج إلى إيضاح الكثير من الأخلاقيات التي كانت عند العرب , وأن الدلالة المقصودة من اصطلاح ( الجاهلية ) خاصة بما كان يوصف به العرب من الجهل ( ضد الحِلم ) وليس الجهل ( ضد العلم ) حيث يقول عمرو بن كلثوم :
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا *** فنجهلُ فوق جهل الجاهلينا
أي لا يغضب علينا أحد فنغضب فوق أي غضب !

    لنتجاوز الحديث عن ذلك العصر إلى عصر نعيشه الآن وتتخذ فيه الأخلاقيات مساراً آخر . ذلك المسار عبّدته ظروف المرحلة فحصلت الفجوة الهائلة بين الأخلاق العربية الأصيلة كما هي في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام ,وبين فئات من المجتمع اليوم تحكمها تصورات مذهبية مؤدلجة ترى أنها تُحسن صنعاً بممارسة أخلاقياتها التي صاغها الارتهان المقيّد إلى الفكرة الواحدة والرأي الواحد المزهوّ بذاته والنافي لغيره .

     يهون كل شيء في هذه الحياة إلا أن تتحول الأخلاقيات السلبية إلى منهج مُشرعن يُغذّى باستمرار بغطاء ديني . فحين يلجأ الفرد إلى سوء الخلق أو الظلم أو رفض وطرد الآخر ( ولو كان ضيفاً يحل به ) اعتقاداً أنه ينطلق من دين يدين الله به , ففي هذه الحالة نحن أمام انحراف خطير ليس في الإنسانية المتحضرة والأخلاق العربية فحسب , بل في الدين نفسه , وتحوله إلى دين طارد يُلجئ أتباعه ويدفعهم إلى الخروج منه تحت وطأة قساوة هذا النفي والإقصاء وانعدام الأمن والتسامح !!

    ينطلق المتدين المتمذهب في عدائه لما حوله ومن حوله من منطلقات (مذهبية ) يتم إسقاطها على نصوص ومحددات دينية كبرى باعتساف وليّ لأعناق الفهم الطبيعي واللغوي منها , فنجده وبكل يسر وسهولة يسحتضر نصاً خاصاً بالمنافقين في عهد النبي ( ص ) مثلاً , وإسقاطه على الآخر المختلف معه , بكل سطحية وسذاجة . ثم تأتي مرحلة الوعي والتصديق بذلك الإسقاط , فيتصور ذلك المتدين أن هؤلاء ( المنافقين/ المخالفين له ولتصوراته ) يدسّون المؤامرات ويحيكون الدسائس , وهكذا إلى أن يصل إلى درجة لو قال أحد أولئك المختلفين معه ( لا إله إلا الله ) لتمّ تفسيرها بأسوأ ما يمكن ؛ انطلاقا من قاعدة راسخة بأن هؤلاء ( المخالفين ) لا يتحركون إلا ضده هو وحده , وأنهم يُسخّرون كافة حياتهم من أجله فقط !

    المرحلة الأخيرة التي يصل إليها الوعي المؤدلج بالمذهبية المنغلقة هي تطور ذلك الاختلاف والشك والقلق عند بعض المتدينين وجماهيرهم من ( الآخر المختلف ) إلى مُخرجات أخلاقية بالغة السوء , وهذا ما أقصده في هذه المقالة , وهو ما دفعني إلى الحديث عن تداعياتها المنفلتة  , باعتبارها من أهم مخرجات الحالة المذهبية السائدة , فحين نعود إلى حديث ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) سنجد كم قد حصل الانحراف الكبير عن الفلسفة الدينية الأصيلة كما جاءت في عذريتها الأولى في فترة إسلام ما قبل المذاهب , كذلك الانحراف عن المنظومة نفسها في الأخلاق والشيم الجاهلية قبل انبلاج نور الإسلام , فحصلت الخسارة المزدوجة بما يمكن أن يوصف بالمثل الشعبي ( لا بلح الشام ولا عنب اليمن ) , وكل ذلك بالتبرير المذهبي المؤدلج الذي شرعن بعض الأخلاقيات وأوهم أنها من أبواب الجهاد المأجور من أجل كلمة الله , في حين أن الله لا يحتاج إلى هذا الانحراف من أجل إثبات نفسه في هذه الدنيا , ولم يأتينا الإسلام بأمثلة مشابهة لنفس السلوكيات , فمن أين جاءت الجرأة في كل هذا الافتئات الخطير على منظومة القيم الدينية ؟ والتشويه – المقصود وغير المقصود – للفلسفة الدينية بهذا الشكل ؟

    هناك جذور أولى تتعلق بنشوء وتطور تلك الأخلاقيات , منها التربية الأولية التي يتم زرعها في الوجدان العام عبر التأجيج وبث الكراهية , فتتطور بدورها إلى ثقافة مستهلكة تقوم بدورها بإنتاج مختلف الأخلاقيات التي ربما يتبرأ بعض الوعاظ منها علناً لكنهم ينسون أو يتناسون أنها ثمار لتلك البذور التي تم بذرها ورعايتها إلى أن أصبحت ثمراً ناضجاً ( يُعجب الزرّاع نباته ) !!

     حتى نكون مجتمعاً صحياً تأخذ فيه الأخلاق تموضعها الراقي كما عند بقية الأمم المتحضرة علينا أن نقوم أولاً بمراجعة الثقافة والمحددات المشاعة انطلاقا من دوافع حرة تمليها الحالة الإنسانية والرغبة في الدخول إلى المجتمع العالمي بمؤهلات مناسبة تُعطي الصورة الصحيحة للإسلام الأول غير المؤدلج أو المخطوف مذهبياً . علينا أن نقوم بذلك قبل أن يحصل الانهيار وتبعاته , فأفكار العنف والإرهاب بدأ يتخلص منها الوعي العام الشامل في مجتمعنا بعد سلسلة ضربات هزّت العقل الجمعي العام , فتحرك تلقائيا في مواجهة تلك الأفكار والتبرؤ منها . لكنه تحركٌ متأخر ولم يكن بدوافع ذاتية حرة تستشعر الخطورة الكامنة منذ البداية . وهذا النوع من التحرك يكون غالباً في الوقت الضائع .

      علينا أن نُدرك أن من بين تلك الخطوات المهمة في إعادة صياغة وعينا الذي نريد أن نخرج به إلى العالم خطوات جريئة تتعلق بنقد التراث الذي أعقب فترة الإسلام الصافي , وما تبع تلك الفترة من انحرافات بالغة السوء عن مقاصد الفلسفة الدينية الصافية كما جاءت . تلك الخطوات تتطلب المزيد من الفصل بين ما هو ديني وما هو مذهبي تدخلت السياسات والمذاهب في تشكيله واتخذناه إلى اليوم ديناً ننطلق من مفاهيمه المصنوعة بشرياً .


الاثنين، 11 نوفمبر 2013

تقريب التغريب !!

  


  من أكثر الكلمات التي تصدح في فضائنا العام , نكاد نتصبح ونتمسّى بها في مكارثية غير مسبوقة , يطلقها تيار الممانعة التقليدية ضد كل ما من شأنه تحديث وتطوير الحياة العامة ؛ للوصول إلى استثارة وتخويف الهوية . هكذا مفهومها , ولكن ما هي أبعادها وجذور دوافعها ؟ القليل من النقاشات التي تناولت هذا الجانب , والكثير منها كانت مجرد ردود أفعال تلقائية لا تسهم في تلمس دوافع تلك الممانعة وبحثها ومحاولة اكتشاف تفاصيل منطقها المعارض .


     ومن الخطأ القول بأن منظومة تلك الممانعة إنما تنطلق من عداوةٍ مجردة للحياة أو التحديث أو الرغبة في عزل المجتمع عن واقعه وعالمه فقط , وبشكل يساهم في تسطيح القضية أكثر فأكثر, فالواقع التاريخي لتلك المنظومة الممانعة منذ مسألة تعليم البنات لا يكشف أن هناك عداءً سطحياً لكل مظاهر التحديث المجرد , فربيع الطفرة الاقتصادية في السبعينات مرّ دون أي مقاومة ضد مظاهر التحديث المدني في منظومة التنمية بشكل عام .. إنما لابد من توفر ظروف أخرى أكثر تعقيدا حتى يكون التحديث مندرجاً لديهم في دلالة ( التغريب ) , من بينها أن يتقاطع مع الحالة الاجتماعية التي كانوا في فترة ما يمتلكون زمام توجيهها !!


    الدليل على ذلك , هو أنه حتى في عصر الصراع مع تيار ( الحداثة ) في الثمانينات , ومع التوجه الصريح للحداثة في طرح خطاب التحديث المباشر , إلا أن كلمة ( تغريب ) وتداعياتها التي تتطور إلى ممارسات ( احتسابية ) لم تكن بمثل هذه البروباغاندا الهستيرية التي نراها مؤخراً في كل شيء , حيث كان القطب الدلالي المواجه لاصطلاح ( حداثة ) هو ( الإسلام ) وكانت تُطرح الحالة الدينية كـبديل مفترض في مواجهة خطاب الحداثة . وهذا يعني اللجوء لمنطقة الدين في مواجهة ذلك التغيير الذي يبشر به خطاب الحداثة . بينما نجد الآن أن الحالة هي حالة اعتراض مجرد دون استحضار مكثّف لمنطقة الدين بعد انكشاف المعلومات الدينية الكافية للمجتمع بفضل عصر ثورة المعلومات ودخول خطابات دينية أخرى أكثر تصالحاً مع ذاتها وأكثر تسامحاً مع الواقع . فنجد أن خطاب الممانعة قد أخذ تكتيكاً آخر غير الاستثارة المجردة للدافع الديني عند الناس , فنجده مثلا اتخذ طريقة الترهيب من حالة ( الانسلاخ ) الحتمية من الدين والهوية بالكليّة , متكّئاً على دوافع أخرى تدخل فيها توصيفات قومية مع دينية مع وطنية ...إلخ . أي أن الخطاب الممانع بدأ يتخذ طريقة أكثر إنشائية في طرح رؤاه الاعتراضية , وهي طريقة تستمد منطقها من فضاءات أكثر اتساعاً , لا يمكن محاصرتها بمحددات دينية ثابتة من الممكن أن يمتلكها أي خطاب ديني آخر ( مختلف طبعاً ) .



     ذلك الأمر يعتبر لجوءاً إلى منطقة أخرى غير مكشوفة من الخطاب الديني الآخر والمختلف والذي يمكن أن يقف بشكل قوي في إثبات زيف تلك الممانعة عبر استحضار التاريخ الديني المختلف مع محددات تلك الممانعة خصوصا فيما يتعلق بشؤون المرأة وحالتها في عصر صدر الإسلام المختلفة جذرياً مع ثقافة خطاب الممانعة الحالي , فنجد أن الانتقال إلى مجال آخر في المناورة لم يكن عبثياً وإنما فرضته تحديات مرحلية بالنسبة لذلك الخطاب الممانع , ومن هنا نرى ذلك الاتكاء على مكارثية الانسلاخ من الهوية للوصول إلى التغريب وبشكل لا يمكن أن يُواجه دينياً من نفس المنطق الديني  حيث الفضاء الواسع لدلالة ( التغريب ) والاستفادة من منجزات العولمة في إثبات وجود الخطورة المتخيلة , وتأجيجها , ونقلها من موضع إلى آخر !!



    هذا تطور ملحوظ في خطاب الممانعة المحافظة ربما لم ينتبه له الكثيرون , حيث إن ذلك الخطاب الممانع الذي تبدو للبعض سذاجته الظاهرة في معارضته مثلاً لمجرد رياضة البنات في المدارس هو ليس كذلك حتماً . فالحقيقة أنه يتحرك ويتطور في عملية وعيٍ ملحوظ بالواقع والتحديات التي تواجهه , فالحديث عن الهوية هو باب واسع لا يمكن أن يتداخل مع حقائق دينية مجردة وواضحة من الممكن إثباتها أو نقضها . ومن هنا جاءت استثارة دوافع ( الهوية ) في مواجهة ما يسمى بـ ( التغريب ) بهذا الشكل , وبطريقة لا يمكن دفعها بذات الأدوات الدينية التي يتلقاها المجتمع عبر قنوات التلقي المتنوعة , بل بصناعة الخطر المتوهم في الأذهان وتضخيمه , وجرّ الصراع إلى ساحة أخرى أكثر اتساعاً في استحضار المخاوف المتنوعة  !!



    كل ذلك من أجل دافعية أكبر من مجرد الاعتراض المجرد أو الخوف على مقدرات الهوية والدين بذلك الشكل الساذج , وإن كنتُ لازلت أحسن الظن أحياناً في براءة تلك المنظومة الممانعة , إلا أنه وفي أحايين كثيرة تبدو لي الحالة كنوع من الصراع من أجل البقاء , خصوصاً مع نشوء مرحلة جديدة تفرض تأثيرها بقوة وهي زعزعة المكانة والمكتسبات التي حصلت عليها منظومة الممانعة تلك قبل أن تكون ممانِعة أصلا , بل منذ أن كانت مجرد منظومة وعظية تبالغ في التدخل في كافة تفاصيل الحالة الاجتماعية , قبل أن تتحول إلى ممانعة واضحة بعد التعرض لمتغيرات جديدة أسهمت في تحول الكثير من الناس إلى آفاق أخرى أكثر إدراكاً بالواقع والحياة وأكثر تصالحاً مع الذات ومع الهوية أيضاً !!



    قد لا نحتاج إلى إثبات أن التغريب الحقيقي الذي حصل هو تلك المخرجات الاجتماعية في الثقافة والأفكار التي عزلت مجتمعنا عن واقعه وزمنه خلال عقود من سيطرة خطاب وعظي أسهم في التغريب عن الواقع والحياة والزمن تحت ذريعة ما يسمى بـ ( الخصوصية ) , وقد لا نحتاج إلى التأكيد على تفاقم الأمراض الاجتماعية وحالة العزلة عن فهم الآخر أو التواصل مع الآخر أو حتى التسامح المجرد مع ذلك الآخر بسبب إفرازات تبعات تلك الخصوصية , وتموضعها العشوائي في الوعي الجمعي دون ضبطية منطقية تخضع لأبسط أبجديات منطق ومعايير الثابت والمتحول .




    ما نحتاجه هو شيء من التكافل الديني الناضج مع فكر إصلاحي غيور على تلك الهوية ذاتها من انحلال ظهرت معالمه في حالات إلحاد صارخة بدأت تأخذ طريقها إلى وعي جيل جديد .. نريد شيئاً من إعادة الاعتبار إلى الوعي والعقل والواقع , ولن تكون المهمة سهلة أبداً أمام منظومة متجذرة ومتحركة وتأخذ تحركاتها التكتيكية في كل مرة أبعاداً أخرى , وإن كان من السهل جداً مواجهتها وكشفها في كل مرة , إلا أنه ليس من السهل إزالة ركام مخلفاتها الزمنية من الوعي والوجدان !!



الجمعة، 1 نوفمبر 2013

الحل .. بين الإسلام والعلمانية !



بين مقولتي : الإسلام هو
الحل , والعلمانية هي الحل !



عقود من الزمن ظلّت النقاشات الجدلية حول ثنائية ( الإسلام – العلمانية ) تتراكم دون أن تُنجب الحل المنشود ولو سفاحاً , بل ربما زادت من توسيع هوة النقاش مع توسع دلالة الاصطلاحات التي تناسلت فيما بعد جرّاء ذلك الجدل , فظهرت دعوات إلى التفريق بين العَلمانية بفتح العين والعِلمانية بكسرها , والدعوة إلى علمانية جزئية وأخرى كلية , كما تم توسيع دلالات الإسلامية إلى التفريق بين الإسلامية والإسلاموية والإسلامية الحركية بطيفها المتنوع والذي يتخذ كل كيان من كياناته صورة أخرى من الخطاب الجدلي المتضخم بالتفاصيل المولّدة لمنظومات جدلية لا تنتهي .. وهكذا ظلت التجاذبات تأخذ شكلاً تضادياً دون أن يكون هناك منتج على الصعيد الفلسفي يمكن أن يقدم لنا ما يمكن أن يكون حلاً أو مقترحاً لحلّ !!

لماذا إثارة هذا الجدل في كل مرة ؟؟

هذا الجدل لا نحتاج إلى إثارته كونه مثاراً أصلا ويصرخ بالإثارة اليومية , وما يجري الآن في يوميات الربيع العربي من أحداث وتداعيات هنا وهناك , وما تحمله يوميات نقاشاتنا , وما يختمر في تصوراتنا عن المستقبل , كل ذلك إنما هو صورة أخرى من جدلية اتخذت فيما يبدو صفة الأزلية في وعينا الشرقي بين قطبي تلك الثنائية , وما تداعياتها السياسية والاقتصادية والفكرية إلا صورة من صور تلك الجدلية , وكلما تقاعسنا في حسمها بأي شكل من الأشكال كلما اتسعت دائرة فراغها مع الزمن , وربما تأخذ مساراً آخر مع الأجيال القادمة قد يكون مسار صراع دموي بين أبناء الشعب الواحد , وذلك لأنه يأخذ الآن صفة الصراع بين مرجعية أفكار تتغذى على إرث من المحددات المحفوظة , وبين مرحلة واقعية أخرى فرضتها ظروف جديدة وإحلال جديد لجملة أفكار جديدة تلحّ هي الأخرى في فرض حضورها الضروري في السلوكيات اليومية للأفراد وأفكارهم !

ربما ليس هنا موضع إيجاد ( الحلّ ) المنتظر , وهل هو مع الإسلام أو مع العلمانية , إنها مهمة شاقة , وبحاجة إلى عقود أخرى من الزمن تتبلور فيه الكثير من المفاهيم وتتحدد بشكل واضح المواضع الصريحة لقطبي تلك الثنائية , وبشكل لا يخضع للتفسيرات الخاصة , لذا فأعتقد أن المهمة الأكثر إلحاحاً الآن هي تفسير ما هو الإسلام الذي قد يكون هو الحل ؟ أو ما هي العلمانية التي يمكن أن تقدم الحل ؟

في مقالات سابقة دعوتُ إلى وجوب التفريق بين الإسلام وبين المذهب في تناول ثنائية (الدين والعلمانية ) , فبعض الأفكار البسيطة التي قد لا تتقاطع مع الدين لا من قريب ولا من بعيد حين يتناولها الوعي المذهبي الذي قد يكون في بعض الأحيان نتاج ثقافة قُطْرية , فإنه سيحوّل  تلك الأفكار المذهبية / بيئية الدوافع إلى أيقونة مضخمة في التفريق بين من يوصف بالمسلم أو نقيضه (العلماني / التغريبي / الليبرالي ) من وجهة النظر المذهبية تلك , كما حصل من انقسام يكاد يكون دينياً في قضية ساذجة كقيادة المرأة للسيارة في المملكة , فأصبحت معارضتها منطلقاً دينياً , وتأييدها خروجاً عن الدين ! بينما في حقيقة الأمر لم تكن المعارضة سوى ( مذهبية ), والتأييد خروجاً عن تلك ( المذهبية ) بعض الشيء , ولم يكن خروجاً عن الدين بالكلية !

وفي أقطار عربية وإسلامية أخرى تأخذ صورة الصراع شكلا مختلفاً في تحديد طبيعة الجدل بين المحافظة والتحديث , وذلك بحسب طبيعة مجال المناورة بين القطبين , فالتحديثي أو من يوصف بـ ( التغريبي ) في بلد كالمملكة , هو نفسه يكاد يكون محافظا أصولياً في بلد عربي آخر تختلف فيه طبيعة الأشياء والأفكار والتصورات , ومن هنا لا يمكن أن يكون هناك تعريف محدد وثابت لماهية الدين أو العلمانية التي تتطلع للتحديث , إلا بحسب مجال المناورة في كل بلد !

ومرة أخرى .. ما هو الإسلام الذي سيكون هو الحل ؟ وهل ما نراه في محددات الإخوان المسلمين مثلاً , أو السلفيين , أو ولاية الفقيه في إيران , أو طالبان في أفغانستان يمكن أن يكون كافياً لإعطاء تفسير عن تلك الصورة المقترحة التي سيقدمها الإسلام كحل ؟
وأي صورة من الإسلام من بين كل تلك الصورالمتباينة بشكل صارخ يمكن أن يقدّم كنسخة جاهزة للحل ؟

وأي علمانية أيضاً تلك التي يمكن أن تقدم الحل ؟ هل هي العلمانية نفسها ما قبل أردوغان في تركيا ؟ هل هي علمانية الهند أو دول أفريقيا التي لم تقدم لها شيئاً ملموساً في مسار التنمية ؟

وللتمثيل بصورة أخرى :
هل يكفي أن يكون الحاكم إسلامياً والدستور علمانياً كما في تركيا ؟ أو أن يكون الدستور إسلامياً والحاكم علمانياً كما في بعض الدول العربية ؟
وإن كان لا يكفي لا هذا ولا ذاك , فهل يكفي أن ينقسم الأداء السياسي إلى : إسلامي داخل الدولة في النظم والقوانين , وعلماني خارجها في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية ؟
وإن كان هذا بدوره سيؤثر على الأقليات , فهل يمكن أن يعاد تفسير المحددات الإسلامية بشيء من التحديث أو ( اللبرلة ) الممكنة ؛ لتنسجم مع واقع زمني يفرض حضوره , وتستجيب لدواعٍ سياسية لا مناص من وضع اعتباراتها في الأداء السياسي !

الكثير والكثير من المفاهيم يجب أن يعاد ترتيبها المنطقي من أجل الوعي بالمشكل الاصطلاحي الذي يمارس في كل مرحلة زمنية المزيد من التشويش على الفكرة وآفاقها وينحرف بها عن الوصول إلى حل , في حين أن من المفترض أن يكون هذا الجدل التراكمي قد أنضج أفكاراً أخرى تتجه بالمُدرك الذهني إلى مسارات صحيحة نحو تقديم فكرة ناضجة يمكن أن تقدم كشعار أكثر عملية ومنطقية من الشعارات المعلّبة منذ قرن من الزمن !!


في كل مرة أتناول حكاية العلمانية والإسلام أجدني أستدعي قصة الخليفة عمر بن الخطاب حينما أوقف حدّ السرقة عام الرمادة هذا الإيقاف أو التعطيل يوصف بأنه أداء سياسي قفز على محددات الدستور الديني استجابة لطارئ زمني ملحّ , وبالتالي حصلت عملية ( فصل النص الديني عن الأداء السياسي ), لو لم يقم به – ولن يلام على ذلك – لكانت التداعيات الاجتماعية والسياسية أكبر وأخطر بكثير مما لو أبقى على التفعيل المجرّد لتلك الحدود في وقت لا يخدم ( مقصودها ) الفلسفي الذي جاء بنيّة حفظ الضرورة الإنسانية والاجتماعية !!

الأحد، 27 أكتوبر 2013

الممانعة الاجتماعية .. من الانفصام إلى الانسجام !!



المتأمل لحالة الممانعة الاجتماعية ضد أي منتج من شأنه إحداث أي تغيير في النسق المُعاش أو نسق التفكير سيجد أن تلك الممانعة تأخذ في البداية الشكل السلبي ضد أي تغيير ثم ما تلبث أن تبرد حرارتها تدريجيا لتعكس حركة سيرها فتتحول إلى موافقة تدخل في ذلك التغيير بكل استسلام !

( ويمكن تشبيه الأمر بما يحصل ليلة الدخلة بين العريس وعروسه من حالة تمنّع مبدئي تتبعها حالة من الاستسلام والانسجام ) .

الأمر ليس مستغرباً – اجتماعياً- كحقيقة اجتماعية أشار ابن خلدون في مقدمته إلى شيء منها في وصفه لنشوء الدول والحضارات بأنها ( تبدأ بعنصر العصبية التي تقوم عليها الدولة , ثم تختفي تلك العصبية أو تخبو جيلاً بعد جيل , أو كما وصفها بالذوبان ) . ونفس الأمر ينطبق على أي فكرة حديثة طارئة على المجتمع باعتبار تلك الأفكار نشوءاً جديداً تبدأ تلك العصبيات المتوالدة في كل جيل برفضه , ثم ما تلبث أن تتصالح معه أو تستسلم له , وهكذا في كل جديد .

لسنا بحاجة إلى المزيد من الشرح لأسباب الرفض المبدئي لأي جديد مادام أنه سنّة اجتماعية في كل زمن , إلا أن ما ينبغي الحديث عنه هو تتبع حالة ذلك الحراك الممانع في لجوئه للدين واستخدامه له كمعزّز له في تفعيل الممانعة وإعطائها البعد الشرعي المطلوب لتصبح ممانعة ( لا يأتيها الباطل ) رغم أنها بعد فترة سوف تنهزم ( طبيعياً ) !

من هنا الخطورة على الوعي الديني عند الأجيال , حين تكون الاجتهادات الفقهية النابعة من الطبيعة الاجتماعية والبيئية الرافضة للتغيير في موقف المهزوم دائماً , تكمن الخطورة في تراكم الوعي بالسلبية الدينية حين تتبنّى الرفض المطلق دائما وتقف حائطا أمام تطلعات أجيال تعيش واقعاً مختلفاً . تلك الأجيال نفسها هي التي ستقوم بعد ذلك بعملية كنس ذلك الرفض والإقدام على خوض وتبني مواقف أكثر انسجاماً مع تلك الفكرة المرفوضة بدل المواقف السابق منها , وسوف يدرك كل جيل لا يلتزم بالموقف المعارض أن مبدأ التدخل الديني في تلك الفكرة التي وجدوا ضرورتها في حياتهم كان فجّا وغير مناسب !!

الأمثلة كثيرة ووافرة , وربما حمل الوعي الاجتماعي الكثير منها ولا يزال , بدءاً من تحريم التلكس والبرق والسيكل ... إلى قيادة المرأة للسيارة , ومع كل منتج حياتي جديد من منتجات ذلك التغيير الحتمي والطبيعي لواقع الحياة سنجد أن رحلة الوعي الاجتماعي تأخذ مساراً درامايتكيا من الانفصام بينها وبين الجديد إلى الانسجام التام مع ذلك الجديد !!

ولهذا ففي الحالة الاجتماعية السعودية تأخذ الممانعة شكلاً خطيراً باتكائها الدائم على الدعم الديني , أو ربما كان هذا الداعم الديني ( المذهبي ) هو الموجّه الفاعل للوعي الاجتماعي والمبرمج لصيرورته وتحولاته , في مجتمع خرج للتو من حالة التخلف الحضاري ويتطلع بشكل جاد إلى التحديث من أجل حياته اليومية , وتشكل نسبة الشباب فيه أكثر من 70 % من مجموع السكان .. والخطورة هنا ليست في إعطاء حالة الرفض أو الممانعة ذلك الغطاء الشرعي في كل مرة , بل بما يمكن أن يترتب على ذلك في وعي النشء من تصورات تتراكم في كل مرة لتنتج صورة واحدة سلبية وهي : أن الدين ضد حياتكم اليومية !!

تلك النتيجة المترتبة يجدر أن تدفع بالمنظومة الدينية إلى إعادة النظر بشكل جاد  في آلية انفعالها اللحظي وموقفها المبدئي , من أي متغير . حيث لا يليق بها في كل مرة أن تظهر إما بشكل مأزوم أو مهزوم , وعليها التفاعل مع حتمية الواقع الاجتماعي الآخذ في التغيير كسنن إلهية كونية جعلت في كل مجتمع وكل زمن , بدءاً من زمن الصحابة نفسه الذي اتخذت فيه الكثير من المواقف وليس أدلّها الموقف الجريء للخليفة عمر بن الخطاب  من حدّ السرقة عام الرمادة , وكيف أقدم على إحداث ( تغيير ) تكتيكي كبير جداً في حجمه بتعطيل حدّ من الحدود نزولاً عند ملحّات ( الواقع ) الزمني آنذاك !!

إن المسألة لا تتطلب أن يُبعث ( مجدّد ) ديني في كل مرة , بقدر ما هي حاجة إلى آليات تفكير أكثر واقعية وأكثر تصالحاً مع النفس ومع الواقع ومع الحياة , آليات تفكير منطقية تُحسن استنباط المقصود الديني الصحيح المتوافق مع روح الشريعة السمحة والدفع بها كمحددات تكون فيما بعد هي المسؤولة عن طبيعة المواقف الانفعالية من كل تغيير جارف , وبشكل واعٍ , وليس تحكيم محددات المزاج البيئي أو المذهبي وإعطائها الغطاء الشرعي اللازم لمقاومة التغيير !

أخيراً .. مسألة الهوية , هل هي ثابتة أو متحركة ؟

حقيقة الخلط الحاصل هو أن هناك عدم إدراك لحقيقة الهوية من حيث كونها دائرة كبرى تحتوي على دوائر أصغر وتلك الدوائر الأصغر تحتوي بدورها على دوائر أكثر صغراً , وهكذا إلى أن يصل الإنسان إلى هويته الفردية المميزة له داخل أسرته أو عائلته الصغيرة !!

فأي الهويّات بالضبط هي التي تجب المحافظة عليها , وأي الهويات ثابتة وأيها متحركة مع الزمن ؟

حين يكون الوعي الديني بهكذا قدرة على استيعاب التفصيل المنطقي لأبسط الأشياء , فحينها سيكون التجديد الديني تلقائياً ويسير بشكل فاعل في كل مرة , ولن نحتاج إلى الأشخاص , كما هي حاجتنا إلى الأفكار وآليات إنتاجها , وقد لا نحتاج حتى إلى ( المهدي المنتظر ) لأن ذلك النجاح الديني والاجتماعي والحضاري سيتبعه النجاح السياسي بلا شك , كما هم الغرب الآن , ليسوا بحاجة إلى أي ( منقذ ) ليخلّصهم !

ومع ذلك , هم من يجب أن يدعون الله ليلاً ونهارا ( الله لا يغير علينا ) !!

السبت، 19 أكتوبر 2013

المرأة .. بين المذهب والبيئة !!


حين نأتي لتقييم مشكلة المرأة في الواقع الاجتماعي السعودي فيجب أن نكون أكثر شمولية وإدراكاً للواقع التاريخي لمشكلة المرأة في الجزيرة العربية كأبعاد وجذور أولية للحالة الأنثوية وكيف تشكّلت على مدى عقود وربما مئات السنين .

لنعود إلى البدايات , حيث ذلك الوضع الحساس جدا للمرأة والذي بدوره أثّر في تكوين وتطور الفكر السلفي الذي وجد بيئة خصبة في وسط الجزيرة العربية للتشابه السيكولوجي مع محددات السلفية ومزاجها المتشدد والمناسب لبيئة صحراويةٍ قاسية .. وفي ذات الوقت الذي جاءت فيه السلفية النجدية /الوهابية ، لتقتلع كل ما تقول إنه من مظاهر (الانحراف) عن الإسلام , إلا أنها لم تجرؤ على الاقتراب من مكانة المرأة في الوعي الاجتماعي أو محاولة تصحيح وضعها إلا بالمزيد من وضع الأغلال أكثر من ذي قبل كنوع من المجاراة للواقع الاجتماعي أو انطلاقاً من ذات المؤثر البيئي الذي أسهم في تشكيل النخبة السلفية النجدية فيما بعد , في دلالة واضحة على قوة ذلك المؤثر المرتبط بالحالة الأنثوية !!

حين بدأت آثار التأثير في بقية المناطق اتخذ وضع المرأة مكاناً لا تحسد عليه امرأة على وجه الأرض , فتضافرت عوامل اجتماعية /بيئية / نفسية مرتبطة بالنظرة إلى المرأة مع جهود دينية تشريعية أضفت على تلك العوامل المزيد من التأصيل والتشريع الديني حتى انعقد في الوجدان الجمعي العام فكرة أن المرأة يجب أن تنعزل وتغيب عن المشهد العام , وتحولت تلك الآراء إلى حقائق دينية مجرد لا تقبل الجدل , وقد نشأت أجيال متعاقبة على هذا التوارث النفسي من المرأة , حتى المرأة نفسها نشأت على هذا الواقع واستيقنت بأنها ( فتنة ) ستحرق الأخضر واليابس بمجرد خروجها على مسرح الحياة !

جاءت اللحظة الحرجة اقتصادياً .. واضطرت المرأة للخروج بعد سنوات من سيطرة مفاهيم الطفرة الاقتصادية في تشكيل الرؤية الدينية من المرأة وأن مكانها البيت يؤتى إليها بالرزق وهي جالسة في مكانها , وحصل الانتكاس الاقتصادي للكثير من الأسر بعد تآكل الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات التضخم , فاضطرت المرأة للعودة إلى دورها التاريخي في مشاركة الرجل أعباء الحياة , فحصل الانفصام الحاد في عمق العقل الاجتماعي بين متطلبات حياة ملحّة وبين منطلقات نشأ وتربى عليها الجميع , وحصل الجدل كذلك وحصل اللغط , كل ذلك والمشكلة في أساسها أبسط من أن تكون مشكلة , إذْ تكفي عملية إصلاح ديني جاد تستهدف ترميم تلك العلاقة المشوهة بين الذكر والأنثى , ويتم إصلاح الخطاب الوعظي الذي أسهم في تشويه تلك العلاقة ومحاصرتها دائما في منطقة الخطر !!

السؤال الذي يتقافز الآن هو : من المسؤول إذاً عن وضع المرأة في هذا الموضع الذي أفرز كل هذه المشكلات , المذهب السلفي أم البيئة ؟؟

إنه ليس المذهب , ولا البيئة !!

لأن المذهب أساساً لم يُبن أو تقوم مرتكزاته على التعاطي مع المرأة بحد ذاتها أو استهداف العلاقة معها لا من قريب ولا من بعيد إلا ما يباشره من اجتهادات تأتي في سياقها الطبيعي حتى وإن كان منها القول بتغطية الوجه . لكنه لا يستهدف الحالة الأنثوية بذلك الشكل المهووس كما نراه الآن في طبيعة المطالبة الدينية الآن !

ولا البيئة .. لأن البيئة قبل الطفرة الاقتصادية كانت على طبيعتها التاريخية التي تشهد حضوراً طبيعيا للمرأة في كل مجالات الحياة في الأسواق والمراعي والمحلات في أكثر المناطق , برغم الحساسية الطبيعية لثقافة الجزيرة العربية من حضورالمرأة , لكنها ليست بحساسية ما بعد الطفرة وتشكيل الوعي الديني منها بعد ذلك !
والحقيقة أنه وإن كان لكل من المذهب والبيئية بعض التأثير في تكوين النظرة إلى المرأة , إلا أن هناك متورطون بشكل أكبر استثمروا المذهب والبيئة معاً في تشكيل ثقافة متشنجة تجاه المرأة لم تكن موجودة بشكلها الحالي , وأسهمت فيما بعد في إفراز العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العميقة !!

إذاً من المسؤول ؟

المسؤول هو خطاب ديني/ وعظي  نشأ على تداعيات الطفرة الاقتصادية التي ساهمت في استغناء الكثير من الأسر عن قيم العمل والإنتاج والكفاح في سبيل الرزق مع تفجّر الوظائف الشاغرة والمريحة , إلى درجة استغناء الرجال عن تلك القيم فكيف بالنساء ؟
 من هنا ومن أجل السيطرة والتغلغل - بدأ هذا الخطاب في استثمار تلك اللحظة الفاصلة في تسويق نفسه في صورة المحافظ على قيم الفضيلة بالاتكاء على داعم واحد وهو عدم الحاجة إلى المرأة في الحياة العامة وبذلك يكون بيتها هو المكان الذي يجب أن تبقى فيه مع تسويق الكثير من الأفكار التي سببت فيما بعد أزمات متشعبة في تشكيل النظرة نحو العلاقة بين كل من الذكر والأنثى , وتصوير تلك العلاقة بشكل متكهرب دائماً وقد ساهم هذا التصوير في غرس مفاهيم الشك وانعدام الثقة بين الجنسين وتشويه العلاقة بينهما , ولن أبالغ إذا قلت : إن أكثر مشكلات التحرش الجنسي هو بسبب تلك التربية التي كهربت العلاقة بين الجنسين وشوهت طبيعتها ولم تكن للأسف تستهدف تعزيز وبناء الثقة والوازع الداخلي بقدر ما كانت تضخم وتهول أي تواجد للجنسين معاً على صعيد واحد في مكارثية لم تكن مسبوقة في التاريخ البشري حتى ابتكرت كلمة (الاختلاط ) رغم عدم تواجدها في الوعي الفقهي على مدى تاريخ الإسلام .. من هنا نشأ جيل مهووس وغير واثق ومنزوع الوازع الداخلي , ومن هنا أيضا كثر التحرش والخيانات الزوجية وانتشر ما يسمى بزنا المحارم , ومن ثم حصل الانهيار الأخلاقي في أركان المجتمع وهو آخذ في الانتشار وبقوة !!

وحين يأتي أي احتياج جاد للمرأة كقيادة السيارة مثلا أو العمل تبرز بشكل طبيعي تلك المشكلات الجدلية التي نشأت من تهويل النظرة إليها وإلى كينونتها , فيصبح الجدل اجتماعياً بين كتلتين , واحدة واقعة تحت تأثير تخدير ذلك الخطاب المتشنج من المرأة , وأخرى قد تجاوزت نوعاً ما ذلك الخطاب ومحدداته وبدأت تطرح احتياجاتها بشكل جاد وتطلب تفهمها !!

ما يطالب به البعض من وجوب الجرأة في قرار سياسي تجاه بعض القضايا هو أمر ليس كافياً .. لأن كل تلك القضايا هي ثمار لجذور أولية لا تزال تغذي كل القضايا والمشكلات الاجتماعية المعاشة .. إن الجرأة السياسية المطلوبة بإلحاح هي محاصرة الأفكار التي تغذي تلك القضايا عبر إنعاش الحالة الثقافية بالمزيد من المشاريع التثقيفية الجادة توازي ما حصل للمجتمع من سيطرة لخطاب الصحوة خلال ثلاثين سنة !


نعم صحيح أنه قد حصل تفكيك للكثير من الأفكار التي كانت مسيطرة , وحصل تقدم ثقافي ملحوظ في بنية التفكير الاجتماعي , لكنه يأتي في سياق عملية التمرحل الطبيعية التي نمرّ بها حالياً , وحتى لا نعود إلى الوراء يجب التقدم باتخاذ ما يمكنه إصلاح ما طرأ على الثقافة الاجتماعية من تشويش بتضافر الجهود الدينية الواعية والمخلصة لتخليص الدين مما لحق به من اجتهادات لم يعد لها مكانا وقبولاً اليوم .. وذلك حتى يعود للدين طعمه وجماله في قلوب الناشئة كي لا يكون عائقاً بينهم وبين واقع جديد يعيشونه بكل تفاصيله التي تتحكم في احتياجاتهم وتطلعاتهم !

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

تكبيرة الآلام -- شعر

خُذي من أدمعِ العين العصيّةْ * وردّي لي بقايا الآدميةْ

وقدّي الشعرَ من دُبرٍ وصبّي * غناءَ الجرح صبَّ الشاذليةْ

وخيطي من دُخَان الحزن لوناً * نديّاً كالصباحات النديّةْ

خذي منّي قصائدَ قتّلتني * لتصلبَني على جذع الرزيّةْ

أضاجعُ كلّ قافيةٍ صباحاً * وأرويها ؛ فتقتلني عشيّةْ

إذا ما سال من حزني سؤالٌ * سكبتُه في قوافٍ عسجديةْ

علمتُ بأن أقداري ستغفو*على أردافِ أسئلةٍ شجيةْ

تعبتُ من التصعْلُكِ في شعابٍ * رَمت بي فوق أشواك القضيةْ

تعبتُ من القصائد فامتطيها * وزفّيها لآمالٍ شهيّةْ

خذي منّي حياتي واتركيها * ترقرقُ في عيونٍ نرجسيّةْ


اكتملت في 
2007


الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

الاحتساب المفترض في دولة معاصرة !!



ولا يزال الجدل دائراً حول مفاهيم وآليات وتصورات ما يسمى بالاحتساب في الفكر الإسلامي , ولكننا هنا لن نناقش هذا الأمر الكبير والواسع في إطار ذلك الفكر الإسلامي في فضائه الأشمل ,وإنما سنحاول أن نقتصر على مناقشة مفاهيمه في الفكر السلفي تحديداً , كون أن المشكلة التي نعاني منها اليوم هي مشكلة محددات ( مذهبية ) أكثر من كونها مشكلات ( دينية ) لا يصح منطقاً أن يتحمل الدين الإسلامي أو الثقافة الإسلامية الممتدة عبر التاريخ أوزار تلك الاجتهادات المذهبية اللاحقة التي صنعتها بالطبع عوامل بيئية وثقافية خاصة !!

المذهب السلفي يتقاطع مع المذهب الظاهري في الأخذ بظاهر الألفاظ دون إعمال العقل في النصوص , برغم أن بعض الاجتهادات السلفية فيما بعد نبعت من عمليات عقلية مجردة قفزت في بعض الأحيان على فلسفة النص أو ما يسمى بـ ( المقاصد ) الشرعية , والأمثلة كثيرة , ولكن حين نعود إلى موضوع الحسبة في الإسلام سنجد أن المفاهيم قد تحورت إما لأهداف سياسية غالباً أو لأهداف نفعية في إطار تقاسم السلطة من أجل احتواء الشأن الديني والأخلاقي بشكل منفصل عن شؤون السياسة .

سنجد أن مبدأ الفصل بين الشأن الديني والشأن السياسي عن طريق إنشاء جهاز ديني يراقب الأداء الاجتماعي هو نوع من العلمانية المضمرة داخل ذلك النسق الذي يعلن تطبيقه الكامل للشريعة الإسلامية , بحيث لا يكون الأداء الاجتماعي والأخلاقي خاضعاً للشأن السياسي , وبالتالي يتم عزل كل تلك القيم عن التأثير السياسي وهو الأكثر احترافاً في التعامل الطبيعي مع شؤون الحياة العامة من أي جهاز ديني خاضع بالضرورة لثقافة النص الشرعي وتأويلاته دون غيره من مجالات الحياة .

من هنا تكمن المشكلة – فيما أزعم – من حيث كون الأجدر هو دمج كافة النشاطات الدينية ضمن الاستراتيجية السياسية بحيث سيكون الأداء ( إسلامياً ) خالصاً كعنوان لتلك السلطة , وفي نفس الوقت يتم صون تلك القيم من الاجتهادات الخاصة التي قد تساهم في تشويهها , كما هو الحال , لانعدام الاحتراف في التعامل الطبيعي مع شؤون الناس , ذلك التعامل خاضع لمختلف الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية بحيث لايمكن للعناصر الذين  ينحصر تأهيلهم فقط في التأهيل الديني المحض والمُغلق مذهبياً أن يكونوا قادرين على الفعالية الاجتماعية عبر استيعاب مختلف الشرائح والتعدديات داخل المجتمع أو التعامل مع واقع زمني لم يتم استهداف واقعيته أثناء إعدادهم وتأهيلهم .

حسناً .. إنه ليس تحييداً لرجل الدين أو للدين كمفهوم عن مجال الحياة العامة , بل هو دمج لفعاليات الدين , في مفهومها الأوسع, في كافة مجالات الحياة , ولكن علينا أن نعي أننا هنا – في أغلب الوقت – أمام حالة مذهبية خاصة , ولسنا أمام دين كامل يتسبب لنا يومياً بمشكلات التأويل والاجتهاد , فالدين في العادة لا يتدخل في تلك التفاصيل التي نشأت المذاهب من أجلها , ومن هنا فيمكن القول إن العزل الذي قد يُتوهم هنا بين كل من الشأن الديني والشأن السياسي ليس أكثر من عزل لثقافة المذهب عن الشأن السياسي عبر اللجوء إلى فضاء الدين ومحدداته الكبرى ودمجها في استراتيجية الدولة ولكن دون الحاجة إلى اعتماد مرجعية المذهب كمرتكز لتفسير كل الشأن الديني الذي سيكون بالضرورة دستوراً للدولة .
نحن نعيش في عصر مختلف تماما يفترض الانحناء لحقيقة حتمية التغيير , وحين يأتي التغيير من الداخل وبإرادة حرة أفضل بكثير من أن يأتي التغيير بإجبار الظروف وقهرها , لذا فربما هي دعوة لمراجعة الكثير من الإشكاليات التي يتسبب التعنت المذهبي ببروزها يومياً .

إن مشكلات الحسبة التي تطفو أمامنا يوميا لن يكون فيها حلول جذرية طالما لم تناقش الأسس التي بُنيت عليها تصورات ومفاهيم الاحتساب وخصوصا في المذهب السلفي الذي يفسر مرتبة تغيير المنكر باليد بتفسير غير خاضع للتنظيم السياسي أو القانوني , ويزيد من الأمر سوءاً إعطاء صلاحيات ( الاجتهاد ) الذي لن يكون خاضعاً إلا لمحدودية الإدارك الذي يتمتع به العضو المحتسب , ودون أن يكون هناك أي ضابط قانوني مدني يمكن أن ينظم مسألة تغيير المنكر والتي أعتبرها شأناً سياسياً محضاً , وتقوم الدولة على حماية المجتمع من كل منكر معتبر شرعاً .

 وعليه فلا أفهم كيف تم الفصل بين مفاهيم المنكرات بحيث تمارس السلطة السياسية ضبط نوع محدد منها , في حين يتولى القائمون على الشأن الديني مباشرة أنواع أخرى من المنكر قد تم تعريفها كمنكرات من منطلقات مذهبية في أغلب الأحيان , كتعريف مجرد كشف الوجه بأنه تبرج وسفور !


التشويه الذي يحصل هنا والضرر الذي يكتنف الصورة هو أن هذه المباشرة لما يسمى بالمنكر في تعريف المنظومة الدينية المحلّية سوف يكون له انعكاسات سلبية جداً في الوعي العام تجاه الدين وفلسفته , وخصوصاً أن الأثر سيكون بالغاً على الناشئة والشباب الذي يتصورون أن الدين الذي أٌمروا باتباعه هو تلك الاجتهادات المذهبية الفجّة في بعض الأحيان , ومن هنا يجب ألا نتساءل عن سبب انحراف كثير من الشباب فكرياً وسلوكياً طالما أنهم لم يفتحوا أعينهم إلا على نسخة محددة من الدين يصطدمون بها اصطداماً عنيفاً يهدم في وجدانهم أكثر مما يمكن أن يبني !!