السبت، 19 أكتوبر 2013

المرأة .. بين المذهب والبيئة !!


حين نأتي لتقييم مشكلة المرأة في الواقع الاجتماعي السعودي فيجب أن نكون أكثر شمولية وإدراكاً للواقع التاريخي لمشكلة المرأة في الجزيرة العربية كأبعاد وجذور أولية للحالة الأنثوية وكيف تشكّلت على مدى عقود وربما مئات السنين .

لنعود إلى البدايات , حيث ذلك الوضع الحساس جدا للمرأة والذي بدوره أثّر في تكوين وتطور الفكر السلفي الذي وجد بيئة خصبة في وسط الجزيرة العربية للتشابه السيكولوجي مع محددات السلفية ومزاجها المتشدد والمناسب لبيئة صحراويةٍ قاسية .. وفي ذات الوقت الذي جاءت فيه السلفية النجدية /الوهابية ، لتقتلع كل ما تقول إنه من مظاهر (الانحراف) عن الإسلام , إلا أنها لم تجرؤ على الاقتراب من مكانة المرأة في الوعي الاجتماعي أو محاولة تصحيح وضعها إلا بالمزيد من وضع الأغلال أكثر من ذي قبل كنوع من المجاراة للواقع الاجتماعي أو انطلاقاً من ذات المؤثر البيئي الذي أسهم في تشكيل النخبة السلفية النجدية فيما بعد , في دلالة واضحة على قوة ذلك المؤثر المرتبط بالحالة الأنثوية !!

حين بدأت آثار التأثير في بقية المناطق اتخذ وضع المرأة مكاناً لا تحسد عليه امرأة على وجه الأرض , فتضافرت عوامل اجتماعية /بيئية / نفسية مرتبطة بالنظرة إلى المرأة مع جهود دينية تشريعية أضفت على تلك العوامل المزيد من التأصيل والتشريع الديني حتى انعقد في الوجدان الجمعي العام فكرة أن المرأة يجب أن تنعزل وتغيب عن المشهد العام , وتحولت تلك الآراء إلى حقائق دينية مجرد لا تقبل الجدل , وقد نشأت أجيال متعاقبة على هذا التوارث النفسي من المرأة , حتى المرأة نفسها نشأت على هذا الواقع واستيقنت بأنها ( فتنة ) ستحرق الأخضر واليابس بمجرد خروجها على مسرح الحياة !

جاءت اللحظة الحرجة اقتصادياً .. واضطرت المرأة للخروج بعد سنوات من سيطرة مفاهيم الطفرة الاقتصادية في تشكيل الرؤية الدينية من المرأة وأن مكانها البيت يؤتى إليها بالرزق وهي جالسة في مكانها , وحصل الانتكاس الاقتصادي للكثير من الأسر بعد تآكل الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات التضخم , فاضطرت المرأة للعودة إلى دورها التاريخي في مشاركة الرجل أعباء الحياة , فحصل الانفصام الحاد في عمق العقل الاجتماعي بين متطلبات حياة ملحّة وبين منطلقات نشأ وتربى عليها الجميع , وحصل الجدل كذلك وحصل اللغط , كل ذلك والمشكلة في أساسها أبسط من أن تكون مشكلة , إذْ تكفي عملية إصلاح ديني جاد تستهدف ترميم تلك العلاقة المشوهة بين الذكر والأنثى , ويتم إصلاح الخطاب الوعظي الذي أسهم في تشويه تلك العلاقة ومحاصرتها دائما في منطقة الخطر !!

السؤال الذي يتقافز الآن هو : من المسؤول إذاً عن وضع المرأة في هذا الموضع الذي أفرز كل هذه المشكلات , المذهب السلفي أم البيئة ؟؟

إنه ليس المذهب , ولا البيئة !!

لأن المذهب أساساً لم يُبن أو تقوم مرتكزاته على التعاطي مع المرأة بحد ذاتها أو استهداف العلاقة معها لا من قريب ولا من بعيد إلا ما يباشره من اجتهادات تأتي في سياقها الطبيعي حتى وإن كان منها القول بتغطية الوجه . لكنه لا يستهدف الحالة الأنثوية بذلك الشكل المهووس كما نراه الآن في طبيعة المطالبة الدينية الآن !

ولا البيئة .. لأن البيئة قبل الطفرة الاقتصادية كانت على طبيعتها التاريخية التي تشهد حضوراً طبيعيا للمرأة في كل مجالات الحياة في الأسواق والمراعي والمحلات في أكثر المناطق , برغم الحساسية الطبيعية لثقافة الجزيرة العربية من حضورالمرأة , لكنها ليست بحساسية ما بعد الطفرة وتشكيل الوعي الديني منها بعد ذلك !
والحقيقة أنه وإن كان لكل من المذهب والبيئية بعض التأثير في تكوين النظرة إلى المرأة , إلا أن هناك متورطون بشكل أكبر استثمروا المذهب والبيئة معاً في تشكيل ثقافة متشنجة تجاه المرأة لم تكن موجودة بشكلها الحالي , وأسهمت فيما بعد في إفراز العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العميقة !!

إذاً من المسؤول ؟

المسؤول هو خطاب ديني/ وعظي  نشأ على تداعيات الطفرة الاقتصادية التي ساهمت في استغناء الكثير من الأسر عن قيم العمل والإنتاج والكفاح في سبيل الرزق مع تفجّر الوظائف الشاغرة والمريحة , إلى درجة استغناء الرجال عن تلك القيم فكيف بالنساء ؟
 من هنا ومن أجل السيطرة والتغلغل - بدأ هذا الخطاب في استثمار تلك اللحظة الفاصلة في تسويق نفسه في صورة المحافظ على قيم الفضيلة بالاتكاء على داعم واحد وهو عدم الحاجة إلى المرأة في الحياة العامة وبذلك يكون بيتها هو المكان الذي يجب أن تبقى فيه مع تسويق الكثير من الأفكار التي سببت فيما بعد أزمات متشعبة في تشكيل النظرة نحو العلاقة بين كل من الذكر والأنثى , وتصوير تلك العلاقة بشكل متكهرب دائماً وقد ساهم هذا التصوير في غرس مفاهيم الشك وانعدام الثقة بين الجنسين وتشويه العلاقة بينهما , ولن أبالغ إذا قلت : إن أكثر مشكلات التحرش الجنسي هو بسبب تلك التربية التي كهربت العلاقة بين الجنسين وشوهت طبيعتها ولم تكن للأسف تستهدف تعزيز وبناء الثقة والوازع الداخلي بقدر ما كانت تضخم وتهول أي تواجد للجنسين معاً على صعيد واحد في مكارثية لم تكن مسبوقة في التاريخ البشري حتى ابتكرت كلمة (الاختلاط ) رغم عدم تواجدها في الوعي الفقهي على مدى تاريخ الإسلام .. من هنا نشأ جيل مهووس وغير واثق ومنزوع الوازع الداخلي , ومن هنا أيضا كثر التحرش والخيانات الزوجية وانتشر ما يسمى بزنا المحارم , ومن ثم حصل الانهيار الأخلاقي في أركان المجتمع وهو آخذ في الانتشار وبقوة !!

وحين يأتي أي احتياج جاد للمرأة كقيادة السيارة مثلا أو العمل تبرز بشكل طبيعي تلك المشكلات الجدلية التي نشأت من تهويل النظرة إليها وإلى كينونتها , فيصبح الجدل اجتماعياً بين كتلتين , واحدة واقعة تحت تأثير تخدير ذلك الخطاب المتشنج من المرأة , وأخرى قد تجاوزت نوعاً ما ذلك الخطاب ومحدداته وبدأت تطرح احتياجاتها بشكل جاد وتطلب تفهمها !!

ما يطالب به البعض من وجوب الجرأة في قرار سياسي تجاه بعض القضايا هو أمر ليس كافياً .. لأن كل تلك القضايا هي ثمار لجذور أولية لا تزال تغذي كل القضايا والمشكلات الاجتماعية المعاشة .. إن الجرأة السياسية المطلوبة بإلحاح هي محاصرة الأفكار التي تغذي تلك القضايا عبر إنعاش الحالة الثقافية بالمزيد من المشاريع التثقيفية الجادة توازي ما حصل للمجتمع من سيطرة لخطاب الصحوة خلال ثلاثين سنة !


نعم صحيح أنه قد حصل تفكيك للكثير من الأفكار التي كانت مسيطرة , وحصل تقدم ثقافي ملحوظ في بنية التفكير الاجتماعي , لكنه يأتي في سياق عملية التمرحل الطبيعية التي نمرّ بها حالياً , وحتى لا نعود إلى الوراء يجب التقدم باتخاذ ما يمكنه إصلاح ما طرأ على الثقافة الاجتماعية من تشويش بتضافر الجهود الدينية الواعية والمخلصة لتخليص الدين مما لحق به من اجتهادات لم يعد لها مكانا وقبولاً اليوم .. وذلك حتى يعود للدين طعمه وجماله في قلوب الناشئة كي لا يكون عائقاً بينهم وبين واقع جديد يعيشونه بكل تفاصيله التي تتحكم في احتياجاتهم وتطلعاتهم !

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

تكبيرة الآلام -- شعر

خُذي من أدمعِ العين العصيّةْ * وردّي لي بقايا الآدميةْ

وقدّي الشعرَ من دُبرٍ وصبّي * غناءَ الجرح صبَّ الشاذليةْ

وخيطي من دُخَان الحزن لوناً * نديّاً كالصباحات النديّةْ

خذي منّي قصائدَ قتّلتني * لتصلبَني على جذع الرزيّةْ

أضاجعُ كلّ قافيةٍ صباحاً * وأرويها ؛ فتقتلني عشيّةْ

إذا ما سال من حزني سؤالٌ * سكبتُه في قوافٍ عسجديةْ

علمتُ بأن أقداري ستغفو*على أردافِ أسئلةٍ شجيةْ

تعبتُ من التصعْلُكِ في شعابٍ * رَمت بي فوق أشواك القضيةْ

تعبتُ من القصائد فامتطيها * وزفّيها لآمالٍ شهيّةْ

خذي منّي حياتي واتركيها * ترقرقُ في عيونٍ نرجسيّةْ


اكتملت في 
2007


الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

الاحتساب المفترض في دولة معاصرة !!



ولا يزال الجدل دائراً حول مفاهيم وآليات وتصورات ما يسمى بالاحتساب في الفكر الإسلامي , ولكننا هنا لن نناقش هذا الأمر الكبير والواسع في إطار ذلك الفكر الإسلامي في فضائه الأشمل ,وإنما سنحاول أن نقتصر على مناقشة مفاهيمه في الفكر السلفي تحديداً , كون أن المشكلة التي نعاني منها اليوم هي مشكلة محددات ( مذهبية ) أكثر من كونها مشكلات ( دينية ) لا يصح منطقاً أن يتحمل الدين الإسلامي أو الثقافة الإسلامية الممتدة عبر التاريخ أوزار تلك الاجتهادات المذهبية اللاحقة التي صنعتها بالطبع عوامل بيئية وثقافية خاصة !!

المذهب السلفي يتقاطع مع المذهب الظاهري في الأخذ بظاهر الألفاظ دون إعمال العقل في النصوص , برغم أن بعض الاجتهادات السلفية فيما بعد نبعت من عمليات عقلية مجردة قفزت في بعض الأحيان على فلسفة النص أو ما يسمى بـ ( المقاصد ) الشرعية , والأمثلة كثيرة , ولكن حين نعود إلى موضوع الحسبة في الإسلام سنجد أن المفاهيم قد تحورت إما لأهداف سياسية غالباً أو لأهداف نفعية في إطار تقاسم السلطة من أجل احتواء الشأن الديني والأخلاقي بشكل منفصل عن شؤون السياسة .

سنجد أن مبدأ الفصل بين الشأن الديني والشأن السياسي عن طريق إنشاء جهاز ديني يراقب الأداء الاجتماعي هو نوع من العلمانية المضمرة داخل ذلك النسق الذي يعلن تطبيقه الكامل للشريعة الإسلامية , بحيث لا يكون الأداء الاجتماعي والأخلاقي خاضعاً للشأن السياسي , وبالتالي يتم عزل كل تلك القيم عن التأثير السياسي وهو الأكثر احترافاً في التعامل الطبيعي مع شؤون الحياة العامة من أي جهاز ديني خاضع بالضرورة لثقافة النص الشرعي وتأويلاته دون غيره من مجالات الحياة .

من هنا تكمن المشكلة – فيما أزعم – من حيث كون الأجدر هو دمج كافة النشاطات الدينية ضمن الاستراتيجية السياسية بحيث سيكون الأداء ( إسلامياً ) خالصاً كعنوان لتلك السلطة , وفي نفس الوقت يتم صون تلك القيم من الاجتهادات الخاصة التي قد تساهم في تشويهها , كما هو الحال , لانعدام الاحتراف في التعامل الطبيعي مع شؤون الناس , ذلك التعامل خاضع لمختلف الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية بحيث لايمكن للعناصر الذين  ينحصر تأهيلهم فقط في التأهيل الديني المحض والمُغلق مذهبياً أن يكونوا قادرين على الفعالية الاجتماعية عبر استيعاب مختلف الشرائح والتعدديات داخل المجتمع أو التعامل مع واقع زمني لم يتم استهداف واقعيته أثناء إعدادهم وتأهيلهم .

حسناً .. إنه ليس تحييداً لرجل الدين أو للدين كمفهوم عن مجال الحياة العامة , بل هو دمج لفعاليات الدين , في مفهومها الأوسع, في كافة مجالات الحياة , ولكن علينا أن نعي أننا هنا – في أغلب الوقت – أمام حالة مذهبية خاصة , ولسنا أمام دين كامل يتسبب لنا يومياً بمشكلات التأويل والاجتهاد , فالدين في العادة لا يتدخل في تلك التفاصيل التي نشأت المذاهب من أجلها , ومن هنا فيمكن القول إن العزل الذي قد يُتوهم هنا بين كل من الشأن الديني والشأن السياسي ليس أكثر من عزل لثقافة المذهب عن الشأن السياسي عبر اللجوء إلى فضاء الدين ومحدداته الكبرى ودمجها في استراتيجية الدولة ولكن دون الحاجة إلى اعتماد مرجعية المذهب كمرتكز لتفسير كل الشأن الديني الذي سيكون بالضرورة دستوراً للدولة .
نحن نعيش في عصر مختلف تماما يفترض الانحناء لحقيقة حتمية التغيير , وحين يأتي التغيير من الداخل وبإرادة حرة أفضل بكثير من أن يأتي التغيير بإجبار الظروف وقهرها , لذا فربما هي دعوة لمراجعة الكثير من الإشكاليات التي يتسبب التعنت المذهبي ببروزها يومياً .

إن مشكلات الحسبة التي تطفو أمامنا يوميا لن يكون فيها حلول جذرية طالما لم تناقش الأسس التي بُنيت عليها تصورات ومفاهيم الاحتساب وخصوصا في المذهب السلفي الذي يفسر مرتبة تغيير المنكر باليد بتفسير غير خاضع للتنظيم السياسي أو القانوني , ويزيد من الأمر سوءاً إعطاء صلاحيات ( الاجتهاد ) الذي لن يكون خاضعاً إلا لمحدودية الإدارك الذي يتمتع به العضو المحتسب , ودون أن يكون هناك أي ضابط قانوني مدني يمكن أن ينظم مسألة تغيير المنكر والتي أعتبرها شأناً سياسياً محضاً , وتقوم الدولة على حماية المجتمع من كل منكر معتبر شرعاً .

 وعليه فلا أفهم كيف تم الفصل بين مفاهيم المنكرات بحيث تمارس السلطة السياسية ضبط نوع محدد منها , في حين يتولى القائمون على الشأن الديني مباشرة أنواع أخرى من المنكر قد تم تعريفها كمنكرات من منطلقات مذهبية في أغلب الأحيان , كتعريف مجرد كشف الوجه بأنه تبرج وسفور !


التشويه الذي يحصل هنا والضرر الذي يكتنف الصورة هو أن هذه المباشرة لما يسمى بالمنكر في تعريف المنظومة الدينية المحلّية سوف يكون له انعكاسات سلبية جداً في الوعي العام تجاه الدين وفلسفته , وخصوصاً أن الأثر سيكون بالغاً على الناشئة والشباب الذي يتصورون أن الدين الذي أٌمروا باتباعه هو تلك الاجتهادات المذهبية الفجّة في بعض الأحيان , ومن هنا يجب ألا نتساءل عن سبب انحراف كثير من الشباب فكرياً وسلوكياً طالما أنهم لم يفتحوا أعينهم إلا على نسخة محددة من الدين يصطدمون بها اصطداماً عنيفاً يهدم في وجدانهم أكثر مما يمكن أن يبني !!

الخميس، 29 أغسطس 2013

نظرة شرعية غير مشروعة !!



رغم احترامي لمختلف العادات والتقاليد الاجتماعية التي كان منشؤها ثقافة ما , أياً كانت , وكان لها مبرراتها التاريخية التي صنعتها , إلا أن ما هو غير محترم هو أن يتم تفسير تلك العادات بمنظور شرعي وإلباسه لباس الدين , خاصة وأن هذا الدين مشترك جمعي بين كثير من الثقافات مما لا يجوز معه اختزال كل هذا الفضاء الديني الشمولي في مذهب واحد أو ثقافة واحدة أوعادات منطقة ما , والانطلاق في تفسير هذا الدين وبناء تصوراته من خلال محددات المذهب والعادات والثقافة الاجتماعية المعنية .

لو نأت مثلا على ظاهرة عدم اعتبار النظرة الشرعية في الزواج عند بعض القبائل في الجزيرة العربية , وكما قلت سابقاً إنني أحترم كل العادات , حتى العادات البوذية , طالما كانت ثقافة إنسانية فتحترم من أجل الإنسان نفسه , فأقول : إن ظاهرة عدم اعتبار النظرة الشرعية وإلغاؤها برغم شرعيتها الدينية يطرح أمامنا عدة أسئلة افتراضية ستطفو فوراً :

-        هل المجتمع – أو بعض فئاته – يعتقدون فعلاً أنهم على منهج ( السلف الصالح ) ؟ وكيف يكون على ذلك المنهج من يخالفه صراحة لمصلحة عادة اجتماعية لم يستطع التغلب عليها ؟؟

-        أين مسؤولية التيار الديني الذي كان يقول بوجود مظاهر للشرك في الجزيرة العربية , وبصرف النظر عن صحة هذا الادعاء , ولكن ماذا عن مظاهر الخطأ في الشأن الاجتماعي , لماذا لم تصلح , ولماذا لم يتم التوجه لها بالاحتساب والإنكار ؟
-        ألم يحن الوقت لأن يراجع المجتمع نفسه وثقافته بعد أن وصلت نسب الطلاق إلى 60% من مجموع الزيجات التي تتم في العام الواحد ؟
-        هل ستستمر الأجيال القادمة في إعادة إنتاج نفس الثقافة أم أن زمن التغيير سيجرف الكثير من المعتقدات مع سنة التغيير الكونية ؟

هناك الكثير من الأسئلة تطرح نفسها في مواجهة ثقافة باتت عبئاً كبيراً ومصدر قلق اجتماعي كبير جداً .. ولست هنا في مقام الوعظ بالتذكير بمبدأ ديني معين , إنما راصد لحركة تغلغل ثقافي غلب على الدين الذي أصبح يُحمّل وزر كل انحراف من العادات الاجتماعية المؤرقة والتي أصبحت تشكل أمراضاً اجتماعية لم يجرؤ أحد بعد على محاولة علاجها !!

خاتمة *

متى يكون هناك وعظ حضاري بنّاء , يستهدف بناء الذات المتحضرة الفعالة ؟؟

الجمعة، 31 مايو 2013

ثقافة المعايير خطوة لفهم معايير الثقافة



 

يكثر حديث الناس أحياناً عن المقارنات الأخلاقية بين زمنين متناقضين , بعضهم بلغة التحسّر وإظهار الخسارة القيمية في منظومة الأخلاق , وبعضهم بلغة المدح لمخرجات تلك الأخلاق الجديدة ولهجة الانتصار لقيم حديثة على أخرى قديمة . بل وفي مختلف السياقات المتناقضة , مثل سياق اقتحام أخلاقيات وأفكار فترة الصحوة وقيمها , وكذلك سياق أخلاقيات وأفكار ورؤى ما بعد مرحلة أحداث سبتمبر وما حصل من انقلاب فكري تسبب في زلزلة قيم وأفكار عقدين من الزمن !!

 

كل تلك التحركات الفكرية يحكمها قانون اجتماعي وتاريخي واحد وهو  : حتمية حركة الانزياح الثقافي والفكري نحو متغيرات جديدة بحلول جيل جديد أو مرحلة جديدة أو متغير سياسي أو اجتماعي أو ديني مرحلي كبير !

 

ما أنا بصدده هو أنه من الواجب عدم تقييم أفكار أو رؤى أو تصورات أي مرحلة زمنية من خلال معايير الأفكار والرؤى والتصورات في مرحلة زمنية أخرى , بمعنى أنه من الخطأ أن يأتي أحدهم ويقدم رؤية نقدية على مرحلة سابقة من الزمن منطلقاً من محدداته المكتسبة في مرحلته الزمنية التي يعيشها !

 

وعليه .. فلا يجوز أن يأتي أحدهم ويقول : إن الصحوة مثلاً قد ساهمت في زيادة الأخلاق عند الناس لأنها جاءت بأفكار تمنع من اختلاط الجنسين في أماكن العمل كالمزارع والمراعي والأسواق , وبالتالي فقد ساهمت في حماية الفضيلة وحققت ( صحوة ) دينية وأخلاقية في قلوب الناس !

 

في العادة تنطلق مثل هذه التصورات النقدية لفترة زمنية سابقة متجردة من الفهم التاريخي لظروف تلك الفترة التي تتناولها , وتداعياتها , وثقافتها الخاصة التي كانت تحكم تصوراتها , فتأتي تلك الرؤى النقدية الجديدة متمترسة بمخرجات فترة زمنية لاحقة لتحاكم فترة زمنية سابقة , وهذا غير منهجي وغير علمي ويخفي الكثير من الحقائق ويمارس في نفس الوقت تزييفاً للوعي !

 

حينما نريد أن نحاكم فترة زمنية سابقة أو نقدم رؤية نقدية قوية عن ظروفها فيجب أولا فهم تلك الظروف وفق سياقات تلك المرحلة , ثم الانطلاق من الفهم العام الذي كان يحكمها ويتحكم في حركة الأفكار وتوزيعها في جغرافية الثقافة الاجتماعية وسياق بنائها وطريقة انبثاقها التلقائي في الوعي الجمعي !

 

ظلت مرحلة الصحوة فترة من الزمن مزهوّة بمكتسباتها الاجتماعية التي تسنّت لها في بناء تصورات العلاقة بين الجنسين مثلاً , وما تحقق لها من ترسيخ لشكل العلاقة بطريقة تختلف كلياً عن تصورات الآباء والأجداد عن طبيعة وفطرية تلك العلاقة , هذا الانقلاب في التصورات نظر إليه البعض أنه تغيير نحو الصواب وأن المرحلة السابقة كانت تغرق في الخطأ , وهذا النظرة تتغافل عن عدة أمور :

 

-       أن المرحلة أساساً لم تتغير إلا بالعامل الاقتصادي المتزامن وهو عامل الطفرة الذي أحدث الانقلاب الشامل في حياة الناس بشكل أكبر من أي استجابة أخرى يمكن أن تُعزى لمجهودات وعظية وتوعوية . فحصل التراجع في قيم العمل أساساً , وتغيرت النظرة لفكرة الكدح والكفاح فحصل انسحاب المرأة بطبيعة الحال لعدم حاجة الأسرة لها في موقع العمل في المزارع والمراعي والأسواق نظراً لتغير منظومة الدخل المادي للأسرة .

 

-       أن أي فترة زمنية كتلك الفترة لم يحصل فيها التدوين التاريخي وتقريباً كل مراحلنا تندر فيها عملية التدوين التوثيقي كما يجب فإننا في حالة انعدام ذلك التدوين الذي يكون مرجعاً وحكما نعود إليه  فعلينا حينئذٍ العودة إلى شهادات شهود العصر الذين عاشوا تلك المرحلة كمصدر آخر من مصادر التوثيق , ويستحيل أن يتفق كل من عاش في تلك المرحلة ويكذبون جميعاً ذلك الكذب الجماعي الذي نسمعه وبالصوت الواحد حينما يقولون : إن نياتهم كانت طيبة !!

تلك المقولة , مقولة ( النيات الطيبة ) إنما هي صورة توضيحية للاختلاف في معايير التقييم الأخلاقي على الأفكار والتصورات , وهذا ما أقصده تحديداً , حيث إن مخرجات تصورات مرحلة الصحوة لا تدرك في كثير من الأحيان تلك التصورات التي كانت تحكم الفترة السابقة وتشكل نمطية النظرة للأمور بشكل يختلف جذرياً .

 

من هنا يجب أن تزال التناقضات التي أحدثتها المرحلة الراهنة ونحن نشاهد عودة فعلية لقيم العمل ومنها عمل المرأة بعودة العامل الاقتصادي لفترة ما قبل ثنائية ( الطفرة / الصحوة ) , وبعد انكشاف المرحلة وعودة شرائح واسعة من الناس لقيم العمل برغم ثقل الإرث الفكري التراكمي الذي ساهم في تزييف التصورات لطبيعة الأشياء وأهمها تشويه الصورة الكفاحية الشريفة لقيمة العمل والإنتاج .

 

أخيراً الحديث ليس عن عمل المرأة بقدر ما هو تأمل لوقائع الخلل الأولي الذي أنتج لدينا كل هذه المشكلات ومنها مشكلات عمل المرأة والانفصام الحاصل عند الفرد الواحد بين حاجياته أو تطلعاته وبين محددات ( دينية اجتماعية ) تم ترسيخها خلال حقبة ماضية . كل ذلك أنتج ما يشبه الصراع الذي يمكن تفسيره أنه نتيجة خطأ أولي حصل في عملية استنبات تلك الأفكار والتصورات غير الصحيحة  والتي بدورها أنتجت لدينا كل هذه المشكلات وكل هذا الصراع والجدل الساذج حول أشياء بدهية !

الجمعة، 24 مايو 2013

محاولة لفهم بعض ( الخصوصية ) !!



 

مجتمعنا المحلي من أعقد المجتمعات في العالم , فلو أخذنا مثلاً ثنائية ( المدينة / القرية ) عبر التاريخ لوجدناها لا تنطبق على مخرجات هذه ( الخصوصية ) المحلية في هذه الأيام من وجوه عدة , من أمثلتها : أن في قُرانا اليوم هناك تمدّن واضح , كما أن في مدننا اليوم هناك عصبية قبلية ونزوح إلى الهويات الصغرى !!

وكأن الإنسان في القرية يجنح إلى المدنيّة , وهو نفسه في المدينة يجنح إلى قرويته وانتمائه , وهذا ينبئ بأن هناك حالة انفصام حادة بين ازدواجية ( الانتماء , والتطلع ) في أعماق الذهن الجمعي , تسببت حالة النكوص المعرفي والحضاري في إحداث ذلك الانفصام , ولم يكن هناك برامج تثقيفية جادة في إيواء تلك الثنائية بشكل متصالح في أذهان الناس !

 

فالإعلام والتنمية والمشاريع الحكومية استهدفت المدن الكبرى وأهملت الأطراف – نوعاً ما –  فحصل الجنوح القروي نحو تمثل قيم المدن , رغبة في تعويض ما فات , في ذات الوقت الذي حصل فيه في المدن ما يشبه الاحتكار الوظيفي والاقتصادي في الفرص وعدم التساوي ولجوء الناس إلى مفاهيم الواسطات فحصل الجنوح إلى الهويات الصغرى كنوع من التكتل في مواجهة الشعور بالتهميش وما يتبع ذلك التكتل من التقوقع على الذات والانتماء وسط المدن التي تعجّ بالتشكيل العرقي متعدد الأطياف !!

لستُ ضد نقل القيم الخاصة إلى المدن , بالعكس , هذا الشيء بالذات فيه إثراء جميل .. ولستُ أيضاً ضد انتقال القرويين إلى مرحلة التمدن , بالعكس أيضاً هذه ضرورة عصرية .. وإنما هنا أنا أحاول أن أتلمس مواضع الخلل الاجتماعي الرهيب الذي من شأنه أن يعقّد الوقائع البدهية للدارسين لحالتنا الاجتماعية فيقعون في حيرة في فهم طبيعتنا المدنية والقروية على السواء , وكيف أنها يمكن أن تخالف حركة تلك الثنائية عبر التاريخ !!

 

يحتار الدارسون للمجتمع المتمدن عندنا في كونه عبارة عن جملة من المجتمعات الصغرى – وإن تجانست – إلا أن أغلبها لم يهضم بعد قيم المدنية الحديثة , ويحتارون كذلك في كون مجتمعنا القروي لا تنطبق عليه محددات القروية تاريخياً وإنما هو صورة مصغرة لمجتمع المدينة ولا يختلف بشيء سوى أنه مع كل هذا يعيش في قرية !!

 

حسناً .. لست هنا بصدد تقديم مشروع حل لتلك المعضلة , فهذا من شأن المتخصصين في علم الاجتماع , ولكن لعل مهمتي هي طرح أسئلة أخرى تحيط بالموضوع .. مثل أسئلة التنمية وتوزيعها المناطقي , وأسئلة المحاصصة والفرص  وإعادة النظر في معايير الثقة وتقسيمها , وبذلك لعلي أقدم شيئاً بسيطاً في عدم تحميل المسؤولية كاملة على المجتمع بشقيه المدني والقروي , ولا على تلك ( الخصوصية ) التي لابد وأنه كان لها صانع قد صنعها , ولا يزال يرى مخرجاتها !!

 

هذه الفكرة التي أقدمها أعتقد أنها تفسر جزءاً من مظاهر العودة إلى القبلية اليوم , وأعتقد أنها قد تجيب على أسئلة موجعة حول أسباب عودة تلك القبلية اليوم ظاهرة للعيان , بشكل أزعج بعض المتلهفين الذين كانوا ينتظرون تلك اللحظة التقدمية في مظاهرها الاجتماعية والمدنية والسلوكية!!

 

فيما كُتب عن القبليّة ومظاهرها لم أر أحداً كتب عن الدوافع الكامنة وراء رغبة الناس في العودة إلى تلك المظاهر . حتماً هناك أسباب أكثر حضوراً من مجرد الرغبة في تحقيق تلك الذات الصغرى أو الهوية الانتمائية , وربما كانت تلك الذات أو الهوية شعاراً يخفي شيئاً أعظم وأكثر إلحاحاً عند الناس في العقل اللاواعي دفعهم دفعاً إلى اللجوء لتلك المنطقة الحاضنة !

 

أنا أعتقد أن منشأ تلك العودة أو ( الردّة ) المدنية في نظر كثيرين  هو ذلك الشعور بالخطر المتربص في عمق الوجدان الجمعي لمجتمعنا , ولكل تجمع فئوي أصغر كالقبيلة مثلاً , فالأحداث من حولنا والأخطار المحدقة , وعدم ثقة كثير من الناس بالمستقبل , أعتقد أن كل ذلك قد دفعهم دفعاً – ربما دون شعور - إلى التنادي والتشكل والتعارف من جديد بعد سنوات التنمية والطفرة والتفرق في الأرض , ثم ترتيب البيت القبلي من جديد في هيئة مناسبات شكلية هدفها الأساس - من وجهة نظري - إعادة التعارف من جديد وبث القيم الخاصة لإعادة صناعة تلك الوحدة الانتمائية الخاصة , من أجل إعادة ترميم النسيج الانتمائي الحاضن كنوع من مواجهة فرضيات عدة لا يزال يثيرها القلق الجمعي نحو المستقبل !!

 

ما سبق مجرد اجتهاد شخصي في فهم مسببات ذلك الانفصام الذي حصل بين إنسان عصري ربما ولد وعاش في مدينة وبين مدينته التي فشلت في تطبيع شخصيته , وربما أعادته بمقوماتها القائمة إلى مقاومة تلك المقومات , في نسق استثنائي غريب لم يتكرر ولا أعتقد أنه سيتكرر إلا في هذه الحالة الخاصة !!

 

المهم أنه علينا التعمق أكثر في فهم خواصنا ومسبباتها وجذورها , وأنه في كثير من الأحيان قد لا تنطبق علينا المحددات العلمية العريقة في التاريخ والانثروبولوجيا , نظراً لتحولات هذه اللحظة الاستثنائية , وتعقيداتها , وتداخلاتها المحيّرة !!

الاثنين، 13 مايو 2013

نظرية ( خطوات الشيطان ) !!


نظرية خطوات الشيطان !

 

يقول المنطق الممانع للتحديث في شؤون الحياة العامة في المملكة : إن فكرة القبول بالخطوة الأولى – في بعض شؤون الحياة ومستجداتها - مدعاة للتدرج للوصول إلى الحالة التي تسمى ( الانفلات ) أو ( تمييع الدين ) أو ( الخروج من الهوية والدين ) إلى آخر تلك الأوصاف التي تشعرك بأن جذوة الدين الإسلامي ستنطفئ من النفوس فور اتخاذ أي خطوة تحديثية في الشؤون الثقافية أو الإعلامية أو السياحية أو الترفيهية التي تعاني من الكساد الواضح عن مثيلاتها في دول أخرى أقل في الإمكانيات .

 

دعونا نحلل هذا المنطق من داخله , لنطرح أسئلة كهذه  :

ما شأن الدين الإسلامي وحضوره في الغرب ؟ هل هو مهدد أم في ازدياد مطّرد ؟؟ وما شأن التدين في الدول العلمانية وهل أثر على منسوبه في قلوب الناس ؟

 

بمقارنة واقعية بدول أخرى ليس للمظاهر الدينية ذلك الحضور الطاغي على حياة الناس سنجد أن التدين لم يُجتث من قلوب الناس , بل ربما كان الناس هناك أكثر تدينا بفطرية التدين المعزز بالدافعية لا بالإجبار الاجتماعي أو السياسي ! إذن أليس من الأولى بالخطاب الوعظي والديني استهداف تلك الدافعية في خطابه وتعزيزها بدل استثمار الحظوة السياسية والاجتماعية في فرض القناعات الخاصة؟ وصولا إلى فرض التصورات المذهبية الخاصة على كل أشكال الحياة العامة على شرائح متعددة من المجتمع !!

 

لا أفهم أي شكل للممانعة التحديثية في أبسط الأمور إلا أنه شكل من أشكال الرضا بالانغلاق والرغبة في تعميم الإرادة الضيقة على شريحة واسعة جداً من الناس , وهذا ليس من أدب الاختلاف أو احترام ذلك الاختلاف وهذا يؤثر على التعايش السلمي والوفاق بين أبناء الوطن الواحد على الأمد البعيد .

 

نعود إلى منطق الممانعة بشيء من التفصيل الأدق وبشكل أبعد عن الإنشائية قدر المستطاع فأقول :

إن ما يُعتقد أنها خطوات أولى للشيطان ليست مقرونة  بمعايير واضحة تفيدنا ( بالدليل ) في التفريق بين ما هو من الشيطان وما هو من المباحات ( المسكوت عنها ) والتي يمكن أن تؤدي إلى خطوات شيطانية أكبر في منظورهم , فالخطاب الوعظي المحلي لا يفصّل كثيراً  في تعاطيه للكثير من المستجدات ولا يبني في تصورات الناس أدوات ثابتة لكشف ما يمكن اعتباره من خطوات الشيطان أو من المباحات . والتجارب الاجتماعية طوال تاريخنا تثبت سخف تلك المخاوف التي كان يعتقد في أوقات كثيرة أنها خطوات شيطانية لم يلبث أن اقتحمها التيار المحافظ نفسه بكل ثقة , والأمثلة كثيرة !

إن استخدام قاعدة فقهية مثل ( سدّ الذرائع ) دون أي اعتبارات استراتيجية واقعية في عالم اليوم من شأنه تزييف الوعي العام وتشويه المدركات تجاه الحياة والعالم من حولنا , هذا بدل دراسة تلك المستجدات وبحثها وتقديم وجهة نظر أكثر تفصيلية من الاستخدام التقليدي للرفض المعتاد .

التحجج بخطوات الشيطان في مواجهة أي تحديث أو إصلاح اجتماعي أو اقتصادي هو ادّعاء كسول تجاه تلك التفاصيل المهمة والمقنعة للقبول بمشروع الممانعة أو الرفض استناداً على حقائق لا مخاوف وظنيات !

 

لا يمكن أن يكون هناك سقف منطقي لمبدأ سدّ الذرائع حتى يطال كل ما هو ساذج وبدهي ومباح وضرورة , لأن كل شيء يمكن أن يؤدي وظيفتين إحداهما سلبية والأخرى إيجابية , فلن يكون هناك سقف معقول لسد الذريعة مطلقاً , إلا إذا قابله مبدأ فقهي آخر غير معترف به في المنظومة الدينية المحلية وهو ( فتح الذرائع ) ودون السير بتوازن فقهي بين المبدأين ستكون العجلة الفقهية منحرفة إلى أبعد مدى حتى تصل إلى تلك الدرجة اللامنطقية كما شاهدنا ونشاهد يومياً عبر الفتاوى والاجتهادات التي تبدو مضحكة وتضع نفسها موضع السخرية .

 

فالأدوات نفسها التي تحرم بعض مستجدات اليوم ينبغي – بشكل منطقي – إسقاطها على كل شيء حتى السيارة التي من شأنها أن تقتل وتسفك الدماء وتستخدم في ( التفحيط ) بشكل كبير جداً عند المراهقين !! وهي نفسها المنظومة الفكرية التي كانت قد حرمت يوما ما ( التلكس والبرق والراديو والدراجة الهوائية ) !! هي نفسها اليوم التي لا تزال تستخدم مبدأ الرفض المطلق لكل شيء كاستراتيجية وحيدة في مواجهة الواقع وإشكالياته , دون أن تقوم بمراجعة تاريخية ضرورية لأدواتها ومحدداتها تلك في زمن مختلف تماما ليس في سياقها .

 

الأمر الأهم من كل هذا أن التزييف المستمر للوعي بخلق نظرية مؤامراتية ضخمة بحجم مجتمع , ومنطلقة من التضخيم المبالغ فيه حول أي خطوات تحديثية ساذجة , عبر بثّ تحذيرات متراكمة , من شأن كل ذلك أن يعيد إلى الأذهان أحداث عنف مستقبلية لم تبرأ ذاكرتنا منها بعد , والتي هي الأخرى لم تكن سوى قيماً تم بثها في غفلة من الزمن وبسكوت الجميع , ولكن كانت مخرجاتها دماء ونيران وتفجيرات وأشلاء !!